آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حقوق الملكية الفكرية.. معركة المبدع وسط فوضى الانتهاكات

حقوق الملكية الفكرية.. معركة المبدع وسط فوضى الانتهاكات

صالح العويتي

كثيراً ما تُطرح شكاوى لكتّاب وملحنين وفنانين يدّعون فيها سرقة أعمالهم الفنية ونتاجهم الأدبي، بشكل مباشر أو عبر طرق ملتوية، ومع تكرار ظهور مؤلفين بارزين في لقاءات إعلامية يستعيدون فيها خلافات تمتد لسنوات حول حقوق الملكية الفكرية، يبدو أن هذا الملف لا يزال مفتوحاً، وأن هذه القضايا لا تزال تثير جدلاً مستمراً في الأوساط الثقافية.

هذا الواقع يعيد طرح الأسئلة حول طبيعة حقوق ملكية العمل الإبداعي، والعلاقة القانونية التي تربط الكتّاب بالمؤسسات الثقافية وشركات الإنتاج، إضافة إلى آليات التعدي والتحايل التي تجري خارج الأطر القانونية، في ظل قوانين يراها البعض شكلية، فيما يجدها آخرون صعبة التطبيق على أرض الواقع، وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد، ما هي حقوق الملكية الفكرية؟ ما الهدف منها؟ وما حدود تطبيقها العملي في الوسط الثقافي؟.

قانون ولكن

تحتفل البشرية في 26 نيسان من كل عام باليوم العالمي للملكية الفكرية، بناءً على قرار صادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO عام 1970، وقد جاء شعار هذا العام بعنوان: “مستعدون.. جاهزون لنبتكر”.

تُعد حقوق الملكية الفكرية إطاراً قانونياً واسعاً يشمل الحقوق الإبداعية في المجالات الفكرية والبصرية والتجارية والصناعية، ويمنح أصحابها حماية قانونية من التعدي غير المشروع.

وعند النظر في القانون السوري، نجد أن الجهة المعنية هي مديرية حماية حقوق المؤلف في وزارة الثقافة، والتي تعمل وفق القانون الصادر عام 2013.

وفي هذا السياق، التقت “الثورة السورية” مع منار شاهين، رئيسة هذه الدائرة، لنعرف أكثر عن طبيعة الأعمال التي تعنى بها المديرية ودورها الفعلي في حماية حقوق الكتاب وأعمالهم، وما الإجراءات التي يمكن أن يتخذها الضحايا – إن جاز التعبير – في قضايا من هذا النوع؟.

وبحسب الشاهين، تتمتع كل المصنفات الأدبية والفنية بالحماية بمجرد ابتكارها، بما فيها الكتب والمطبوعات والمخطوطات والمصنفات الموسيقية والألحان والمصنفات السمعية البصرية والمصنفات الفوتوغرافية، كل ذلك مذكور في المادة الثانية من القانون، مع ذلك تشمل أغلب القضايا نصوصاً تلفزيونية، وحماية أفلام قصيرة وطويلة، وكذلك التطبيقات الإلكترونية التي تتم حمايتها بالتعاون مع وزارة الاتصالات والتقانة.

وعن المسار القانوني، توضّح الشاهين أن لجنة الضابطة العدلية تتولى متابعة الشكاوى عبر تنظيم ضبط وإحالته إلى القضاء، حيث يُبتّ في القضية بمساعدة خبير مختص في الملكية الفكرية، وفق قانون “حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة” الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 62 لعام 2013.

لكن، وعلى أرض الواقع، لا يخلو التطبيق من تحديات، أبرزها ضعف التنسيق بين المديرية والقضاء، تقول شاهين: “نقوم بإحالة الملفات إلى المحكمة، لكنها لا تقوم بإبلاغنا بما تم التوصل إليه، ولا بكيفية حل النزاع بين الطرفين”.

وتشير إلى حاجة القانون إلى مواكبة التطورات والتعديلات في ما يخص الملكية الفكرية عالمياً، خاصة مع وجود اتفاقيات دولية سابقة لسوريا مع برن وروما، وهي التي نعمل من خلالها حالياً فيما يخص المصنفات الأدبية والفنية، وكذلك ما يتعلق بمنتجي التسجيلات الصوتية والبث وهيئات الإذاعة، كما وقّعت سوريا اتفاقية مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية “الويبو” في سويسرا.

ولعل الأمر المهم الواجب معرفته في هذا الشأن، بحسب الشاهين، أن القضاء عند فتح ملفات من هذا النوع، لا يعتمد فقط على سجلات مديرية الحقوق الفكرية، بل يتحقق عبر الثبوتيات والشهود في السؤال عن من بدأ العمل الإبداعي أولاً؟

إشكالات واقعية

ظهرت خلال السنوات الماضية العديد من الخلافات بين الكتّاب والفنانين وشركات الإنتاج في الوسط الدرامي، خاصة مع تحوّل هذا القطاع إلى صناعة ذات عائد اقتصادي كبير.

مؤخراً، وفي تصريح إعلامي، أعاد الكاتب مروان قاووق للأذهان ظاهرة التعدي على حقوق المؤلف كما حصل له حسب ادعائه في مسلسل “باب الحارة”، في مقابل اتهامات سابقة له باقتباس “طاحون الشر” من عمل آخر هو “خوابي الشام”.

كما برزت قضية الكاتب الراحل فؤاد حميرة، الذي اعتبر مسلسل “كسر عظم” مأخوذاً من فكرة عمله الذي لم يبصر النور “حياة مالحة”، رغم بقاء القضية ضمن السجال دون حسم قانوني.

في المقابل، تشير الشاهين إلى حالات اتخذت مساراً قانونياً واضحاً، منها قضية مسلسل “نظرة حب”، حين ادّعى رافي وهبة أنه كاتبه الأصلي، قبل أن تشير تقارير الخبراء إلى تطابقه مع نص محفوظ سابقاً، ولا تزال القضية منظورة أمام القضاء.

كما أُنتج مسلسل عن الشاعر نزار قباني دون الرجوع إلى الورثة، ما دفع ذويه إلى رفع دعوى ضد الكاتب الذي أنجز العمل دون الحصول على إذن أو تنازل عن الحقوق، فحسب القانون السوري، تذهب حقوق النشر بعد وفاة الكاتب أو الفنان أو المبدع عموماً إلى الورثة لمدة 50 عاماً، ثم تصبح ضمن الملك العام.

وكما أوضحت الشاهين، فهناك الكثير من القضايا التي واجهتهم من هذا النوع، بعضها لا يزال معلقاً حتى اليوم.لكن يبقى السؤال عن كيفية تحديد ما إذا كان العمل مسروقاً فعلياً من العمل الأصلي؟

تجيب الشاهين: “هناك خبير قانوني وفني مختص يقوم بمقارنة المصنف المحمي مع المصنف المنسوخ على صعيد الفكرة والعناصر والشخصيات وغيرها من التفاصيل، ويحدد أوجه التشابه والاختلاف، ويقدّم رأيه، ثم يعود القرار النهائي للقاضي في البت بالقضية”.

ونتيجة لذلك، إذا ثبت الجرم، قد يوقف العمل نهائياً، ويتم اتخاذ الإجراءات القانونية فور الحكم لمنع الضرر، ويعوّض المؤلف الأصلي بأرباح من العمل في حال تم عرضه، إضافة إلى عقوبة على الجاني تصل إلى الحبس لمدة سنتين وغرامات مالية عديدة حسب نوع العمل وماهيته.

مقترحات عملية

بعيداً عن الجانب القانوني والإداري، حاولنا أن نعرف آراء الوسط الفني بهذه الإشكالية، فتوجهنا بالسؤال إلى المخرج غزوان قهوجي لنعرف رأيه في ظاهرة التعدي على النصوص الدرامية، وهنا ينصح في حديثه لـ “الثورة السورية” الكاتب بأهمية تسجيل عمله في مديرية حماية الملكية الفكرية قبل البدء بتسويقه، وهي خطوة جيدة مبدئياً، وبرأيه وبسبب حدوث حالات تناص وتشابه بين الأعمال، يقترح إنشاء بنك للنصوص الدرامية لدى جهة اعتبارية ذات مصداقية كاللجنة الوطنية للدراما أو مؤسسة الإنتاج أو نقابة الفنانين أو لجنة صناعة السينما والتلفزيون.

ويضيف: “من خلال هذه المنظومة يتوجه الكتاب الشباب إليها ويودعون نصوصهم هناك، وبدورها تتوجه شركات الإنتاج إلى قراءة هذه الأعمال، وتكون الجهة المشرفة على بنك النصوص هي الوسيط والمسوق والضامن لحقوق الطرفين من أي تعدٍ فكري أو استيلاب للنصوص، وهذا يعطي فرصة للكتاب الشباب بتقديم أعمالهم على صناع الدراما وحمايتها في الوقت ذاته”.

الأدب والجهل بالحقوق

عند التعمق في المشهد الأدبي، يبدو الأمر أكثر تعقيداً، خاصة على صعيد الرواية، مع تداخل مفاهيم الاقتباس والتأثر والتناص، وهذا ما أثار العديد من القضايا والنزاعات بين الكتّاب والروائيين في السنوات الأخيرة، ورغم قلتها محلياً، فهي ظاهرة منتشرة على الصعيد العالمي.

وهنا، توضح الكاتبة فدوى العبود في حديثها لـ “الثورة السورية” أن استلهام الأفكار موجود منذ بدايات الأدب، فمثلاً الكاتب الأرجنتيني بورخيس لم يخفِ إعجابه بسلسلة «ألف ليلة وليلة» وتأثره بها، والأمثلة كثيرة، ودائماً ما تعتمد قصص وحكايا الكتاب إما على التجارب الشخصية أو على قصص وأفكار الآخرين، وهنا علينا أن نفرق بين مفهومي “التناص” و “التلاص”، فالأول مبرر وقانوني ويضيف للفكر الإبداعي، والآخر يصنّف سرقة أدبية فاضحة.

كما تشير العبود إلى أهمية التحلي بالوعي والحيطة عند تحويل قصة ما إلى عمل دون موافقة أصحابها، خاصة في القضايا الحساسة أو الإنسانية القاسية، وتذكر بالقضية الشهيرة للكاتب الجزائري كمال داوود الذي نال جائزة “غونكور” عام 2024 عن روايته «الحوريات»، ثم أُدين باستغلال قصة حياة ناجية من أحداث العشرية السوداء في الجزائر وتحويلها إلى عمل أدبي دون إذنها، مستفيداً من عمل زوجته الطبيبة النفسية، ما أدى إلى حكمه بالسجن ثلاث سنوات وغرامة مالية.

ومن هنا، نعي أن الموضوع جدي، وأن القضية ليست بسيطة كما يظن البعض، بل هناك قوانين عالمية صارمة بهذا الشأن تعاقب الجاني بشكل صريح.

وبما أننا نتحدث عن النشر فلابد أن نعرف أكثر عن طبيعة العقود والحقوق في مجال النشر، توجه مراسل “الثورة السورية” إلى اتحاد الناشرين السوريين والعرب لنسأل هناك الكاتب السوري محمد الطاهر عن العلاقة القانونية بين الناشر والمؤلف، فيوضح: “في أغلب الحالات لا نقوم بأي تعاقد مكتوب مع الكاتب إلا نادراً، وإذا أراد المؤلف تنظيم علاقة عقد فهذا من حقه وله أن يحدد شروطه وحقوقه، وهنا يعتبر قانون النشر في سورية هو الناظم لعملنا، وأفضل أن تسير العلاقة بهذا المنحى القانوني منعاً لأي إشكالات مستقبلية”.

ولا يخفي الطاهر وجود إشكالات في عالم النشر، وهو أمر طبيعي لكنه غير مؤثر، خاصة وأنه غالباً ما يتم حلها بشكل ودي يحفظ حقوق المؤلف.

وعي يحتاج النشر

يهدف اليوم العالمي للملكية الفكرية إلى تعزيز الوعي بهذا الملف، وبالنظر إلى الواقع، نجد اهتماماً ملحوظاً بهذا المسار في المجال العلمي والتقني، حيث يسود سباق محموم لتسجيل حقوق الملكية والابتكار بين الأفراد والشركات، بينما في النطاق الأدبي، يبدو المشهد أكثر ضبابية تسوده غالباً العشوائية والجهل الحقوقي.

وبرأي الكاتبة فدوى العبود، فإن كثيراً من الكتّاب يفتقرون إلى المعرفة بآليات توثيق أعمالهم، وأن العلاقة مع الدور غالباً ما تنتهي عند حدود النشر، والنتيجة غياب متابعة عمليات السطو الفكري والقرصنة.

وتنوه إلى ضرورة وعي الكاتب بما ينشره على وسائل التواصل الاجتماعي، وكيفية حفظ حقوقه، فالفضاء الرقمي مساحة نشر مفتوحة، ورغم وجود قوانين حماية الملكية في النشر الالكتروني، إلا أن ذلك لا يكفي دون مزيد من الحيطة، وترى العبود أن السرقة الأدبية، إن ثبتت، لا تقل عن أي جرم آخر، بل قد تكون أشد إيلاماً على المبدعين الشباب.

بدورها ترى الشاهين أن المشكلة الأساسية تكمن في خوف الكتّاب، وليس في تقصير من الجهات المعنية، فهم يمنحون شهادة إيداع. أشبه بصك قانوني، وتشبه ذلك بقولها ” كأنني أذهب إلى المصرف خوفاً على أموالي من السرقة، فأقوم بإيداعها هناك، هذه المفهوم علينا تعميمه “.

وتضيف أن اليوم العالمي للملكية الفكرية يفترض أن يرفع وعي المبدع بحقوقه، وأن هذه الثقافة يجب أن تبدأ منذ الصغر في المدارس والمراكز التربوية.

وهنا يقترح بعض الكتّاب إنشاء مواقع خاصة لتتبع حالات الانتهاك الأدبي تقودها لجان مؤسساتية مختصة، بدل الاعتماد على الجهود الفردية فقط، مع توفير الدعم والتوعية القانونية.

تطوير القوانين

يطمح العاملون في الحقل الثقافي إلى أن يُولى اهتمام أكبر بعد التحرير بالقوانين الناظمة لحماية الحقوق الفكرية، لما لها من دور في حماية الإبداع والابتكار وازدهار الصناعات الثقافية في سوريا المستقبل.

وفي هذا الإطار، توضح الشاهين أن القوانين بقيت في حالة جمود لسنوات طويلة، ما أفقدها المرونة والجدة، تقول: “بسبب ظروف الحرب وتغير النظرة إلى الأولويات، تراجعت ثقافة الملكية الفكرية بشكل كبير، كنا ننظم ندوات وجولات على المحافظات ونقيم نشاطات في المراكز الثقافية لتوعية الناس بأهمية حماية الحقوق الفكرية”.

وتشير إلى حصول بعض التعديات سابقاً زمن النظام المخلوع على الملكية الفكرية، خاصة في مجال الترجمة من قبل جهات سورية رسمية، وخاصة بسبب ارتفاع تكلفة الحصول على الحقوق، ليتم استغلال الأعمال دون الرجوع إلى أصحابها الأصليين.

وتوضح أن المديرية واجهت مقاومة من بعض المتعدين، لكن القانون لا يزال قائماً وفاعلاً، وإن كان بحاجة إلى تطوير في بعض بنوده خلال المرحلة القادمة.

للاستفسار عن رأي اتحاد الكتاب العرب في قضايا الملكية الفكرية، توجهت “الثورة السورية” إلى رئيس الاتحاد الدكتور أحمد جاسم الحسين، للتعرف على الآلية الجديدة التي يتبعها الاتحاد بعد التحرير في هذا الشأن.

يقول الحسين: “نلاحظ أهمية هذا الملف اليوم، ما يطرح من ملاحظات حول بعض الأخطاء في السابق يقابله اليوم تشديد أكبر على التوعية والقانون”، ويشير إلى أن العمل المؤسسي في هذا المجال شهد تطوراً واضحاً بعد التحرير، وأبرزها استحداث منصب مدير للتشريع القانوني لأول مرة في تاريخ الاتحاد.

ويضيف: “نعمل اليوم على إنشاء دار نشر تعمل وفق التعليمات القانونية المعتمدة في سوريا، وبالتنسيق مع اتحاد الناشرين ووزارة الثقافة، ونحن ملتزمون بشكل كامل بحقوق الملكية الفكرية، حيث يوقع الكاتب عند نشر عمله عبر الاتحاد تنازلاً عن حقوق النشر مقابل حصوله على مستحقاته ضمن الأطر القانونية المعتمدة”.

ويؤكد الحسين أن أي تطور في التشريعات القانونية سيكون الاتحاد جزءاً منه، باعتباره مؤسسة معنية ومواكبة للتحديثات في هذا المجال.

أما فيما يخص جانب النشر، كشف الكاتب أحمد الطاهر في حديثه لـ “الثورة السورية” تكليفه بإجراء دراسة قانونية لإنجاز قانون نشر جديد في سوريا أكثر مرونة، وقد تم الانتهاء منه تقريباً وبانتظار اعتماده، ليصبح و بحسب رأيه يضاهي تلك الموجودة في الدول المتطورة.

تبدو حقوق الملكية الفكرية اليوم واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الوسط الثقافي، وبين نصوص قانونية قائمة وتحديات في التطبيق، تتسع المسافة أحياناً بين الحق وإمكانية حمايته، وفي ظل هذا الواقع، يبقى الرهان على وعي يتقدم، وقانون يتطور، ومسؤولية ثقافية قادرة على إعادة الاعتبار لحق المبدع في حماية عمله.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الإثنين الـ 15 من حزيران 2026

  المفكرة الثقافية 1 المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الإثنين الـ 15 من حزيران 2026 دمشق: 1 – محاضرة بعنوان “وقفات مع الهجرة” تلقيها الأستاذة ...