بقلم:المهندس مكرم عبيد
الإجابة عن هذا السؤال نجدها في أحداث التاريخ؛ فالتاريخ غني بالتحولات الكبرى، من الثورة الفرنسية قبل أكثر من قرنين، إلى انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، والتحولات التي شهدتها مصر بعد عام 1970، وجنوب إفريقيا، وصولاً إلى المنعطف التاريخي الأخير في العراق وسوريا بانهيار أنظمة حكم الحزب الواحد والفرد الواحد.
في مثل هذه اللحظات، يقع كثيرون في فخ معرفي خطير يتمثل في الخلط بين “النظام” و”الدولة”، وهو المسمار الأول في نعش السلم الأهلي.
ولكي نفهم هندسة الاستقرار، علينا تفكيك المكونات وفصلها بوعي:
1- الوطن: هو الأرض والتاريخ والوجدان المشترك؛ ثابت لا يزول.
2- الدولة: هي الهيكل القانوني والمؤسسات السيادية (القضاء، التعليم، الجيش…)، وهي الحصن الجامع للجميع.
3- النظام: هو الأداة الإدارية والسياسية المؤقتة لإدارة شؤون الدولة، ويتغير استجابةً لمتغيرات الزمن.
4- المواطن: هو العقل والقلب النابض، ومصدر الشرعية الأساسي.
*واقع الحال والأخطار المحدقة
تمرّ الحالة السورية اليوم بمنعطف هو الأكثر حرجاً، إذ يتزامن التحول الداخلي الكبير مع محيط إقليمي شديد الاضطراب. فالتمادي الإسرائيلي في الجنوب السوري، ونزعات الانفصال في بعض المناطق، وتداعيات الحروب العنيفة في المنطقة، ولا سيما في لبنان وإيران، كلها أخطار وجودية تفرض على السلطة الانتقالية والمواطنين معاً الإسراع في تدارك الموقف وحماية كيان الدولة من التآكل.
قد تُسقط البندقية نظاماً، لكنها لا تبني دولة. والمسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق السلطة التي تسلّمت زمام الأمور للانتقال إلى “الدولة الوطنية الجامعة”، دولة القانون، وذلك عبر خطوات عاجلة:
أولاً: التحصين الداخلي وترسيخ المواطنة
• حظر الخطاب الإقصائي أينما وُجد، وترسيخ مبدأ المواطنة الكاملة والمتساوية لجميع المكونات دون تمييز.
• صياغة دستور يضمن مدنية الدولة، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وحماية الحريات العامة، وفي مقدمتها حرية الصحافة والاعتقاد.
• تفعيل الحياة البرلمانية والإدارة المحلية، وإشراك الكفاءات السورية في الداخل والمهجر، بعيداً عن الولاءات الفصائلية.
ثانياً: الأمن والعدالة
• دمج القوى المسلحة في جيش وطني موحد خاضع للقرار المدني، وحصر السلاح بيد الدولة لمواجهة التهديدات الخارجية والنزعات الانفصالية.
• تطبيق عدالة انتقالية حقيقية من خلال تشريعات خاصة تشمل المحاسبة، وجبر الضرر، وكشف مصير المفقودين، بما يسهم في ترميم الشروخ المجتمعية بعيداً عن الثأر الجماعي.
ثالثاً: اعادة الاندماج مع المجتمع الدولي
• تقديم تطمينات حقيقية للداخل والجوار والعالم بأن الدولة الجديدة تحترم المواثيق الدولية وتكافح الإرهاب.
• الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القرارين 2254 و2799، وتجنب تكرار أخطاء النظام السابق، بما يضمن إنهاء العزلة الدولية وفتح الطريق أمام إعادة الإعمار.
ختاماً
العبرة في التاريخ ليست في “من يقود لحظة التغيير العسكري”، بل في “من يمتلك القدرة على تحويل البندقية إلى قانون عادل وشامل”.
فالأوطان لا تستقر بشخصنة المؤسسات أو صبغها بلون واحد؛ فالأنظمة تزول، أما الدولة فتبقى ملكاً لجميع مواطنيها وحصناً لوطنهم.
وبغير هذه التوجهات، سيبقى البلد عرضة للاهتزازات الداخلية والعزلة الخانقة
(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
