متابعة: هيثم يحيى محمد
حين اختارت روسيا السادس من حزيران، يوم ميلاد الشاعر الروسي العظيم ألكساندر بوشكين، ليكون يوم اللغة الروسية، لم يكن ذلك اختياراً عابراً أو إدارياً محضاً، بل كان اختياراً ذا دلالة ثقافية عميقة.
فبوشكين لا يُعدّ مجرد شاعر كبير في تاريخ الأدب الروسي، وإنما يُنظر إليه بوصفه المؤسس الحقيقي للغة الروسية الأدبية الحديثة، والشخصية التي نجحت في نقل اللغة من فضاء النخبة المحدود إلى فضاء الأمة كلها، فغدا اسمه مرادفاً لنهضة اللغة وجمالها وقدرتها على التعبير عن روح الشعب الروسي.
إن ربط يوم اللغة بشخصية ثقافية كبرى يمنح المناسبة بعداً إنسانياً وتاريخياً، ويجعل اللغة مرتبطة بذاكرة حية وبإنجاز إبداعي ملموس. فالناس لا يحتفلون بقواعد النحو والصرف مجردة، بل يحتفلون بمن جسّد هذه اللغة وأطلق طاقاتها الكامنة وأعطاها حضورها الإبداعي في التاريخ.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع: هل كان من الممكن أن يرتبط اليوم العالمي للغة العربية بميلاد أو وفاة إحدى الشخصيات الفكرية أو الأدبية الكبرى في تاريخ العرب؟
إن تاريخ العربية زاخر بالأسماء المؤسسة، من أمثال سيبويه الذي وضع أسس النحو العربي، والجاحظ الذي وسّع آفاق النثر العربي، والمتنبي الذي بلغ باللغة ذروة من ذرى التعبير الشعري، وغيرهم من الأعلام الذين أسهموا في بناء الصرح اللغوي العربي عبر القرون.
لكن العربية تتميز عن معظم لغات العالم بخصوصية استثنائية، فهي ليست لغة أمة أو قومية فحسب، بل هي أيضاً لغة كتاب مقدس شكّل وجدان مئات الملايين من البشر عبر أكثر من أربعة عشر قرناً. ولهذا قد يبدو أكثر انسجاماً مع طبيعة العربية ورمزيتها الحضارية أن يرتبط يومها العالمي بلحظة نزول أول كلمة من الوحي: “اقرأ”
فكلمة “اقرأ”لم تكن مجرد بداية رسالة دينية، بل كانت إعلاناً حضارياً عن قيمة المعرفة والقراءة والعقل والتعلّم. لقد بدأت الرسالة الإسلامية بأمرٍ بالقراءة، لا بأمرٍ بالحرب أو السلطة أو الثروة، وكأنها أرادت أن تؤكد أن بناء الإنسان يبدأ من المعرفة.
ولو ارتبط يوم اللغة العربية بذكرى نزول “اقرأ”فإن الاحتفال باللغة سيتجاوز حدود التذكير بأمجاد الماضي أو الاحتفاء بأحد أعلامها الكبار، ليصبح احتفاءً بالفكرة المؤسسة نفسها: فكرة المعرفة. فاللغة في جوهرها ليست ألفاظاً وقواعد فحسب، وإنما هي أداة للفهم والتفكير والإبداع واكتشاف العالم.
ومع ذلك، لا تعارض بين الرمزين؛ فالأمم تحتاج إلى رموز بشرية تجسد عبقريتها الثقافية، كما تحتاج إلى لحظات تاريخية كبرى تؤسس لمعانيها العميقة. وقد يكون من المفيد أن يدور النقاش الثقافي العربي حول الكيفية التي يمكن من خلالها تحويل يوم اللغة العربية إلى مناسبة حية وفاعلة، ترتبط بالقراءة والكتاب والإبداع والمعرفة، لا أن تبقى مجرد مناسبة احتفالية عابرة وهذا مايطرحه صاحب فكرة يوم اللغة العربية الدكتور جورج جبور منذ زمن دون نتيجة .
فاللغة لا تحيا بقرارات المؤسسات وحدها، بل تحيا بأهلها، وبمبدعيها، وباللحظات التاريخية التي منحتها معناها ورسالتها في حياة البشر
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
