بقلم: عدنان الشمالي
قبل أكثر من ثلاثة عقود، كانت رواندا تقف على حافة الانهيار الكامل. حرب أهلية وصراع إثني دامٍ حصد أرواح مئات الآلاف خلال أشهر قليلة، وترك مجتمعاً مثقلاً بالجراح والخوف والذكريات المريرة. في تلك اللحظة، بدا أن الكراهية التي تراكمت بين أبناء البلد الواحد ستحتاج إلى أجيال طويلة كي تتراجع، وأن دوامة الانتقام ستبقى مفتوحة بلا نهاية.
لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً.
فبدلاً من أن تبقى رواندا أسيرة ماضيها، اختار الروانديون، بكل ما حملوه من آلام وخسارات، أن ينظروا إلى المستقبل. لم يكن ذلك سهلاً، ولم يأتِ دفعة واحدة، لكنه كان خياراً واعياً بأن استمرار الانقسام لن ينتج سوى المزيد من الخسائر.
ركزت الدولة على إعادة بناء المؤسسات، والاستثمار في التعليم والتنمية، وتحسين الاقتصاد، وتعزيز مفهوم المواطنة الجامعة. ومع مرور السنوات، تحولت رواندا من بلد ارتبط اسمه بالمجازر والحرب إلى واحدة من أكثر الدول الأفريقية استقراراً وتنظيماً، وأصبحت تجربتها محل اهتمام كثير من الباحثين والمهتمين بقضايا إعادة بناء المجتمعات بعد النزاعات.
عندما ننظر إلى سوريا اليوم، قد لا نجد تطابقاً كاملاً بين التجربتين، فلكل بلد ظروفه وتعقيداته الخاصة. لكن ما يمكن استخلاصه من التجربة الرواندية يتجاوز التفاصيل المحلية إلى فكرة أكثر عمقاً: لا يمكن لأي مجتمع أنهكته الحروب أن يستعيد عافيته إذا بقي أسير الانقسامات والصراعات القديمة.
بعد سنوات طويلة من الحرب، يصعب العثور على أسرة سورية لم تدفع ثمناً باهظاً، سواء بفقدان الأحبة أو النزوح أو التهجير أو التراجع الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو من انتصر ومن خسر، بل كيف يمكن منع تكرار المأساة، وكيف يمكن بناء مستقبل يضمن للأجيال القادمة حياة أكثر استقراراً وأمناً.
فالشعوب لا تستطيع أن تعيش إلى الأبد في دائرة الانتقام. وعندما تتحول الأحقاد إلى إرث تتناقله الأجيال، فإن الحروب قد تتوقف عسكرياً، لكنها تستمر اجتماعياً ونفسياً بأشكال مختلفة. وفي هذه الحالة، يصبح السلام مجرد هدنة مؤقتة لا أكثر.
إن سوريا لا تحتاج إلى محو الذاكرة أو تجاهل ما جرى، فالتاريخ لا يمكن شطبه، والتجارب القاسية لا تُنسى بسهولة. لكنها تحتاج إلى قراءة هذه التجارب بوصفها دروساً للمستقبل، لا وقوداً لصراعات جديدة. وتحتاج إلى دولة يشعر جميع مواطنيها أنهم شركاء فيها ومتساوون أمام قانونها، لا أن يعيش كل طرف قلقاً من الآخر أو متوجساً من المستقبل.
قد لا تكون رواندا نموذجاً يمكن استنساخه بحذافيره، لكن الرسالة التي تقدمها تجربتها تستحق التأمل: لا يوجد منتصر حقيقي في الحروب الأهلية، لأن الخسارة النهائية تصيب الوطن بأكمله، مهما اختلفت مواقع الأطراف المتصارعة.
ولعل التحدي الأكبر أمام السوريين اليوم لا يكمن في إعادة بناء الحجر فقط، بل في إعادة بناء الثقة والأمل والإيمان بإمكانية العيش المشترك. فالأوطان لا تُبنى بالكراهية، ولا تستقر بالثأر، وإنما تنهض عندما يقتنع أبناؤها بأن مستقبلهم المشترك أهم من خلافاتهم، وأن لا خيار أمامهم سوى أن يعيشوا معاً ويبنوا معاً



(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
