*أسرة التحرير
لم يعد الحفاظ على المواقع التاريخية يقتصر على ترميم المباني الأثرية أو حماية الذاكرة الثقافية، بل أصبح أحد الأدوات الفاعلة لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتحسين البيئة الحضرية. ويجسد مشروع إعادة إحياء خندق حصن كورنواليس في مدينة جورج تاون الماليزية هذا المفهوم، من خلال تحويل موقع تاريخي مهمل إلى مساحة عامة نابضة بالحياة، ومورد اقتصادي وبيئي يخدم المجتمع.
ويقع حصن كورنواليس في مدينة جورج تاون، عاصمة ولاية بينانغ، وهي مدينة مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتتميز بتنوعها الثقافي والمعماري الذي يعكس قروناً من التفاعل بين الحضارات الآسيوية والأوروبية.
وكان الخندق المائي المحيط بالحصن قد رُدم عام 1921، ثم استُخدمت مساحته لاحقاً موقفاً للسيارات، ما أدى إلى اختفاء أحد أبرز العناصر التاريخية للموقع. إلا أن أعمال التنقيب الأثري كشفت عن أجزاء واسعة من البناء الحجري الأصلي، الأمر الذي وفر أساساً علمياً لإعادة إنشاء الخندق وفق تصميمه التاريخي.
وتقول شبكة الآغا خان ان تنفيذ المشروع جاء ثمرة تعاون استمر ثلاثة عشر عاماً بين حكومة ولاية بينانغ ومجلس مدينة جزيرة بينانغ ومؤسسة “ثينك سيتي”، فيما قدم صندوق الآغا خان للثقافة، التابع لشبكة الآغا خان للتنمية، الدعم الفني والخبرات المتخصصة في مجالات صون التراث وإدارة المواقع التاريخية، بما يضمن الحفاظ على أصالة الموقع وتوظيفه لخدمة المجتمع.
وتتبنى شبكة الآغا خان للتنمية رؤية تقوم على أن التراث الثقافي ليس عبئاً على التنمية، بل أحد محركاتها الأساسية. ومن هذا المنطلق، يعمل صندوق الآغا خان للثقافة في عدد من الدول على حماية المواقع التاريخية وإعادة تأهيلها، بالتوازي مع تطوير المساحات العامة، وتشجيع الأنشطة الاقتصادية، وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
وقد انعكست هذه الرؤية بوضوح في مشروع حصن كورنواليس، إذ تحولت منطقة كورنيش إسبلاناد إلى وجهة للنزهات والأنشطة المجتمعية والفعاليات الثقافية، كما أسهمت أعمال إعادة التأهيل في زيادة حركة المشاة، واستقطاب استثمارات جديدة، وفتح المجال أمام مشاريع تجارية وثقافية، إلى جانب توفير فرص عمل في مجالات الحرف التقليدية، والسياحة، وصون التراث.
وتقدر الجهات المشرفة على المشروع أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لبرنامج إعادة التأهيل بلغ نحو 100 مليون دولار، وهو ما يعكس القيمة الاقتصادية التي يمكن أن تحققها الاستثمارات في التراث الثقافي عندما تُدمج ضمن خطط التنمية الحضرية.
ولم تقتصر نتائج المشروع على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت إلى البعد البيئي، حيث يتسع الخندق المائي المعاد إنشاؤه لنحو 3500 متر مكعب من المياه، الأمر الذي يسهم في خفض درجات الحرارة في المنطقة المحيطة، ودعم التنوع البيولوجي، وتحسين جودة المياه من خلال أنظمة المعالجة الحيوية المزروعة بالنباتات، بما يعزز قدرة المدينة على التكيف مع آثار تغير المناخ.
ويؤكد المشروع أن الاستثمار في التراث الثقافي يمكن أن يحقق عوائد تتجاوز الحفاظ على الماضي، ليصبح وسيلة لإعادة إحياء المدن، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وتحسين جودة الحياة، وخلق مساحات عامة أكثر استدامة وشمولاً.
وفي وقت تتزايد فيه التحديات التي تواجه المدن التاريخية حول العالم، يقدم مشروع إحياء خندق حصن كورنواليس مثالاً عملياً على أن حماية التراث يمكن أن تتكامل مع التنمية الاقتصادية والاستدامة البيئية، لتصبح المواقع التاريخية منصات للتنمية، لا مجرد شواهد على الماضي.
ويعد هذا المشروع واحداً من المبادرات التي تعكس نهج شبكة الآغا خان للتنمية في ربط الحفاظ على التراث الثقافي بالتنمية الشاملة، عبر برامج تسعى إلى تحسين حياة المجتمعات، وتعزيز الاقتصادات المحلية، والحفاظ على الهوية الثقافية للأجيال القادمة






(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

