هيثم يحيى محمد
لم يعد السؤال المطروح في سوريا اليوم هو من انتصر ومن هُزم، بل كيف يمكن للسوريين جميعاً أن ينتصروا لوطنهم بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام والدمار.
لقد أسقط السوريون مرحلة من تاريخهم، لكنهم لم ينجزوا بعد المهمة الأصعب، وهي بناء دولة حديثة تستند إلى الشرعية الدستورية وسيادة القانون واحترام الإنسان. وهذه المهمة لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال عدالة انتقالية حقيقية، لا عدالة انتقامية، ولا تسويات تتجاوز حقوق الضحايا.
وفي هذا السياق، يثور جدل واسع حول الدعوات إلى تجريم “الأسدية” استناداً إلى المادة (49) من الإعلان الدستوري. ومن حيث المبدأ، فإن من حق أي دولة خارجة من حكم استبدادي أن تضع الضمانات القانونية التي تمنع عودة الاستبداد أو إعادة إنتاج أدواته. غير أن نجاح هذه الخطوة يتوقف على كيفية تطبيقها، وعلى التمييز الواضح بين الفكر أو الممارسة التي قامت على الاستبداد والانتهاكات، وبين ملايين المواطنين الذين عاشوا في ظل النظام السابق، أو عملوا في مؤسسات الدولة دون أن يرتكبوا جرائم.
فالدول الديمقراطية لا تعاقب الانتماءات الاجتماعية، ولا تحاكم الناس على آرائهم المجردة، وإنما تحاسب على الجرائم والأفعال التي يجرمها القانون، وفق محاكمات عادلة ومستقلة تكفل حقوق الجميع. لذلك فإن أي تشريع يهدف إلى حماية النظام الديمقراطي ينبغي أن يركز على منع عودة أدوات الاستبداد والعنف والفساد، لا على إنتاج إقصاء جديد يعيد تدوير الانقسام الوطني.
*العدالة الانتقالية… ليست محاكم فقط
كثيرون يختزلون العدالة الانتقالية في المحاكمات الجنائية، بينما تؤكد التجارب الدولية أن هذا المفهوم أوسع بكثير.
فالعدالة الانتقالية هي مجموعة من السياسات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة السلطوية لمعالجة إرث الانتهاكات، وبناء الثقة بين المواطنين والدولة، ومنع تكرار ما حدث.
وترتكز هذه العدالة على خمسة أعمدة رئيسية:
-كشف الحقيقة بشأن الانتهاكات.
-محاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق معايير العدالة.
-جبر ضرر الضحايا وتعويضهم ورد الاعتبار لهم.
-إصلاح مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء والأجهزة الأمنية والإدارة العامة.
-تحقيق المصالحة الوطنية على أساس الاعتراف بالحقيقة وسيادة القانون.
إن أي خلل في أحد هذه الأركان يهدد عملية الانتقال بأكملها.
*ماذا تعلمنا جنوب أفريقيا؟
عندما انتهى نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، لم تتجه الدولة إلى الانتقام الجماعي من البيض، ولم تمنح في الوقت ذاته حصانة مطلقة لمرتكبي الانتهاكات.
بل أنشأت لجنة الحقيقة والمصالحة برئاسة المطران ديزموند توتو، والتي أتاحت للضحايا رواية معاناتهم أمام المجتمع، ومنحت بعض الجناة إمكانية الحصول على العفو المشروط مقابل الاعتراف الكامل بالحقيقة. وقد تعرضت التجربة للنقد، لكنها نجحت في تجنب حرب أهلية جديدة، وأسست لانتقال سياسي حافظ على وحدة الدولة.
وكان الدرس الأهم أن الحقيقة والاعتراف يمكن أن يكونا جزءاً من العدالة، وليس بديلاً عنها.
*رواندا… العدالة لمنع عودة الكارثة
بعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجهت رواندا مئات الآلاف من المتهمين بالمشاركة في الجرائم.
ولم يكن القضاء التقليدي قادراً على التعامل مع هذا الحجم الهائل من القضايا، فاعتمدت الدولة، إلى جانب المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا، نظام محاكم “غاتشاتشا” المحلية، التي سمحت بمشاركة المجتمع في كشف الحقيقة والمحاسبة وإعادة دمج كثير من الأفراد بعد الاعتراف وتحمل المسؤولية.
ورغم الانتقادات الحقوقية التي وُجهت إليها، فإن التجربة ساعدت في منع دوامة الانتقام وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
*المغرب… الإنصاف دون انهيار الدولة
أما المغرب، فقد اختار نموذجاً مختلفاً بعد ما عرف بـ”سنوات الرصاص”، من خلال إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة.
وركزت الهيئة على كشف الحقيقة، وتعويض الضحايا، والاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وإصدار توصيات للإصلاح المؤسسي، دون أن تتحول العملية إلى مواجهة تهدد استقرار الدولة.
وقد أكدت التجربة المغربية أن الاعتراف بمعاناة الضحايا يمثل خطوة أساسية في استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
*ماذا تحتاج سوريا؟
لا يمكن استنساخ أي تجربة دولية بحذافيرها، لأن لكل دولة ظروفها التاريخية والاجتماعية والسياسية. لكن يمكن الاستفادة من المبادئ المشتركة التي أثبتت نجاحها.
وسوريا اليوم بحاجة إلى نموذج وطني خاص بها يقوم على التوازن بين العدالة والاستقرار، وبين المحاسبة والمصالحة.
ويقتضي ذلك:
أولاً: محاسبة كل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، أياً كانت صفته أو انتماؤه، عبر قضاء مستقل ونزيه.
ثانياً: رفض مبدأ المسؤولية الجماعية، فلا يجوز تحميل ملايين السوريين تبعات أفعال لم يرتكبوها، لأن ذلك يهدد السلم الأهلي ويعمق الانقسام.
ثالثاً: إطلاق هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والعدالة الانتقالية، تضم قضاة وخبراء قانون وممثلين عن الضحايا ومنظمات المجتمع المدني، تكون مهمتها توثيق الحقيقة، وجبر الضرر، واقتراح الإصلاحات المؤسسية.
رابعاً: إصلاح مؤسسات الدولة، وخاصة القضاء والأجهزة الأمنية والإدارة العامة، على أساس الكفاءة والنزاهة والولاء للدستور، وليس للسلطة أو للأفراد.
خامساً: وضع برنامج وطني للمصالحة المجتمعية، يشارك فيه رجال الدين والمثقفون والجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، بهدف إعادة بناء الثقة بين السوريين.
سادساً: إطلاق خطة اقتصادية عاجلة تعيد الأمل للمواطن، لأن الفقر والبطالة يشكلان بيئة خصبة للتطرف والعنف وعدم الاستقرار.
*دور الإعلام والنخب
الإعلام الوطني اليوم ليس مطالباً بالدعاية لأي سلطة، بل بحماية الحقيقة، وتعزيز ثقافة الحوار، والتصدي لخطاب الكراهية، ونشر ثقافة المواطنة وسيادة القانون.
كما تقع على عاتق الجامعات والمراكز البحثية والنخب الفكرية مسؤولية إنتاج خطاب جديد يتجاوز ثنائية “المنتصر والمهزوم”، ويؤسس لفكرة “المواطن الشريك” في بناء الدولة.
*الدولة الجديدة… ليست تغيير سلطة فقط
إن نجاح المرحلة الانتقالية لن يقاس بعدد القوانين الجديدة، ولا بعدد المسؤولين الذين تغيروا، بل بقدرة الدولة على إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
فالدولة التي ينشدها السوريون ليست دولة تنتصر فيها فئة على أخرى، وإنما دولة ينتصر فيها القانون على الجميع.
إن العدالة الانتقالية ليست تنازلاً عن حقوق الضحايا، وليست عفواً مفتوحاً عن الجناة، كما أنها ليست وسيلة للانتقام السياسي. إنها عملية تاريخية تؤسس لسلام دائم يقوم على الحقيقة، والإنصاف، والمساءلة، والإصلاح.
لقد دفعت سوريا ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية، ولن يكون من الحكمة أن تنتقل من استبداد إلى إقصاء، أو من ظلم إلى ظلم مضاد. فالمستقبل الذي يستحقه السوريون هو مستقبل تقوم فيه الدولة على المواطنة، ويكون فيه الدستور مرجع الجميع، والقضاء ملاذ الجميع، والكرامة الإنسانية حقاً للجميع.
إن بناء سوريا الجديدة يبدأ حين يشعر كل مواطن بأن العدالة تحميه، لا أنها تستهدفه، وأن الدولة وطن للجميع دون استثناء
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
