آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الصورة الأكثر دهشة بين العلم والخيال: “شروق الأرض” حين رأى الإنسان بيته من القمر(القصة 4)

الصورة الأكثر دهشة بين العلم والخيال: “شروق الأرض” حين رأى الإنسان بيته من القمر(القصة 4)

بقلم: علي نفنوف

 

دبي

 

 

في 24 ديسمبر 1968، كان ثلاثة رجال يطوفون حول القمر في واحدة من أخطر الرحلات التي عرفها تاريخ الإنسان. كانوا رواد «أبولو 8»: فرانك بورمان، وجيمس لوفل، وويليام أندرس، وأصبحوا أول بشر يصلون إلى مدار القمر.

كانت الرحلة جزءًا من سباق الفضاء المحتدم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهدفت إلى اختبار الطريق أمام الهبوط على القمر. لكن الرحلة التي جاءت بحثًا عن القمر، عادت إلى الأرض بصورة غيّرت نظرة الإنسان إلى كوكبه.

كان ويليام أندرس يصور سطح القمر، حين ظهرت فجأة خلف الأفق القمري كرة زرقاء صغيرة: الأرض.

للمرة الأولى رأى الإنسان بيته من الخارج.

أمسك أندرس كاميرته بسرعة، وساعده جيمس لوفل في تحديد المشهد. تحركت المركبة، اختفت الأرض، ثم ظهرت من جديد من نافذة أخرى. التقط أندرس عدة صور، وكانت إحداها الصورة التي عُرفت لاحقًا باسم Earthrise – شروق الأرض.

لم تكن الصورة مخططة بهذا الشكل؛ كانت لحظة خاطفة فرضها مسار المركبة، وكاد المشهد أن يضيع قبل أن يلتقطه أندرس.

وهنا تبدأ أهمية الصورة.

في المقدمة قمر رمادي، صامت، بلا حياة ظاهرة. وفي الخلفية أرض زرقاء صغيرة معلقة في سواد الفضاء.

لا حدود.

لا أعلام.

لا جيوش.

لا مدن ولا قصور.

كل ما صنعه الإنسان من انقسامات اختفى من ذلك الارتفاع، وبقي كوكب واحد يحمل الجميع.

لقد كانت الصورة ثورة في الرؤية قبل أن تكون ثورة في التصوير.

للمرة الأولى لم يعد الإنسان ينظر إلى الأرض من داخلها، بل رآها كما يرى كوكبًا آخر. وفجأة بدا واضحًا أن العالم الذي نختلف عليه ونتقاتل من أجله ليس سوى نقطة صغيرة في فضاء هائل.

كانت المفارقة أن الرحلة نفسها كانت جزءًا من صراع الحرب الباردة، بينما الصورة التي عادت منها لم تحمل راية أميركية ولا رمزًا سياسيًا. حملت الأرض وحدها.

ولهذا ارتبطت Earthrise بصعود الوعي البيئي في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات. لم تكن الصورة وحدها هي التي صنعت الحركة البيئية، فقد كانت هناك حركة علمية وشعبية متنامية ضد التلوث وتدمير الطبيعة، لكنها منحت تلك الحركة صورة تختصر الفكرة كلها: الأرض محدودة، وحياتها ليست أمرًا مضمونًا.

وبعد أقل من عامين، جاء أول «يوم للأرض» عام 1970، في مرحلة بدأ فيها الوعي بحماية البيئة يتحول إلى قضية عالمية.

كما ساعدت صور «أبولو» في ترسيخ فكرة مراقبة الأرض من الفضاء، وهي الفكرة التي ستتطور لاحقًا مع الأقمار الصناعية العلمية وبرامج مثل Landsat.

لكن قوة الصورة لم تكن علمية فقط.

كانت فلسفية.

فالإنسان كان يعرف منذ قرون أن الأرض كوكب، لكن المعرفة شيء، ورؤية الحقيقة بعينيك شيء آخر. فجأة رأى البشر كوكبهم صغيرًا، معزولًا، محاطًا بالفراغ.

وكأن الصورة تقول:

كل ما نختلف عليه يحدث فوق هذه النقطة الزرقاء.

ولهذا بقيت عبارة ويليام أندرس التي قالها بعد الرحلة شديدة الدلالة:

«لقد جئنا كل هذه المسافة لاستكشاف القمر، وكان أهم شيء اكتشفناه هو الأرض.»

ربما هنا تكمن المفارقة الكبرى.

ذهب الإنسان إلى القمر ليكتشف قدرته على مغادرة الأرض، فعاد بصورة جعلته يفكر في مسؤوليته تجاهها.

وفي عام 2024 توفي أندرس عن 90 عامًا في حادث تحطم طائرة، بعد حياة طويلة ظل اسمه فيها مرتبطًا بتلك اللحظة. وأطلق الاتحاد الفلكي الدولي لاحقًا اسم Anders’ Earthrise على فوهة قمرية تكريمًا له.

لكن الصورة لا تحتاج إلى فوهة على القمر كي تبقى.

لقد غيّرت شيئًا في المخيلة الإنسانية.

بعدها لم تعد الأرض مجرد مكان نعيش فيه، وإنما أصبحت بيتًا يمكن أن نفقده.

وربما لهذا السبب كان أعظم ما فعلته الصورة أنها لم تجعلنا نحب الأرض فقط، بل جعلتنا نرى هشاشتها.

خرج الإنسان من الأرض كي يكتشف القمر…

ثم احتاج إلى أن يبتعد عنها كي يكتشفها

 

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نجوم الفن يدعمون ليلى أحمد زاهر بعد الجدل حول حياتها الزوجية

حظيت الفنانة الشابة ليلى أحمد زاهر برسائل دعم من عدد كبير من نجوم الفن والإعلام، بعد الجدل الذي أثاره ظهورها الأخير مع زوجها هشام جمال ...