كتب: القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
شاع بين السوريين، خلال سنوات الصراع، مصطلح «الشبيح» لوصف أشخاص ارتبطوا بالنظام الأسدي، سواء مارسوا العنف أو الترهيب أو الابتزاز أو الاعتداء على الأشخاص والممتلكات باستخدام القوة أو التهديد، أو اقتصر دورهم على التأييد السياسي للنظام، أو الخضوع له خوفًا، أو الانحياز إليه قناعةً أو مصلحةً.
وفي الآونة الأخيرة، بدأ يظهر مصطلح «المطبّل للقيادة» بوصفه مقابلاً أو امتدادًا لمصطلح «شبيح النظام الأسدي»، ويُطلق على من يؤيد القيادة الحالية تأييدًا مطلقًا، أو يبرر كل قرار أو إجراء تتخذه، أو يروّج لخطاب الكراهية والانتقام، أو يتهم كل من ينتقد القيادة بالخيانة والعمالة لمجرد مخالفته لها في الرأي أو الموقف.
لكن، ومن منظور القانون، لا بد من التمييز بدقة بين الوصف السياسي أو الاجتماعي من جهة، والوصف القانوني من جهة أخرى؛ لأن الخلط بينهما قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الظلم، بدلًا من أن يكون الانتقال السياسي مدخلًا إلى العدالة.
أولًا: المجرم
القاعدة الدستورية والقانونية المستقرة هي: «لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص»، كما أن الأصل في الإنسان البراءة، ولا يصبح المتهم مجرمًا إلا بعد ثبوت مسؤوليته بحكم قضائي مبرم.
والجريمة، في مفهومها القانوني، هي كل فعل أو امتناع عن فعل يجرّمه القانون ويرتب عليه عقوبة، متى توافرت أركانه وشروطه القانونية.
أما المجرم، فهو من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جريمة، سواء بوصفه فاعلًا أصليًا أو شريكًا أو متدخلًا أو محرّضًا، وفقًا لأحكام القانون وبموجب حكم قضائي مستوفٍ لشروطه.
ومن هنا، فلا يوجد في القانون مصطلح «الشبيح» أو «المطبّل» بوصفهما فعلين جنائيين، ولذلك لا يجوز تحويل وصف شعبي أو سياسي إلى إدانة جزائية.
فليس كل من كان مؤيدًا للنظام السابق مجرمًا، كما ليس كل من انتقد القيادة الحالية خائنًا. والعبرة دائمًا بالفعل الذي ارتكبه الشخص، والنص القانوني الذي يجرّمه، والأدلة التي تثبت مسؤوليته، والحكم القضائي الصادر بحقه.
ملاحظة
كما يجب ألا يُستغل وصف «الثورية» أو الانتماء إلى الثورة بوصفه حصانة من المساءلة؛ فقد يدّعي بعض الأشخاص أنهم من رجال الثورة أو من رموزها، بينما يكونون قد ارتكبوا جرائم فساد أو نهب أو استيلاء على المال العام أو الخاص، أو استغلالًا للسلطة والنفوذ.
وهؤلاء، متى ثبت ارتكابهم لهذه الأفعال، فهم مجرمون بحق الوطن والثورة معًا، ولا تشفع لهم الشعارات ولا الادعاءات ولا الأدوار السابقة.
ثانيًا: الشبيح
يجب التمييز بين «الشبيح» بوصفه مجرمًا، و«الشبيح» بوصفه وصفًا سياسيًا أو اجتماعيًا.
فالشبيح الذي ارتكب، تحت هذا الوصف، جريمة يعاقب عليها القانون، فهو مجرم ويجب أن يُحاسب عن الجريمة التي ارتكبها، وبقدر مسؤوليته عنها وجسامة الفعل المرتكب، لا لمجرد إطلاق وصف «شبيح» عليه.
أما الشخص الذي اقتصر دوره على تأييد النظام السابق، أو السكوت عنه خوفًا، أو حتى تأييده قناعةً أو مصلحةً، من دون أن يثبت ارتكابه فعلًا مجرّمًا، فلا يجوز معاملته جزائيًا معاملة المجرمين.
وهذا لا يعني بالضرورة أن كل أفعال الشخص «الشبيح» أو مواقفه السابقة لا يمكن أن تكون محل أي مساءلة؛ فقد تترتب، بحسب صفته ووظيفته والقانون الناظم لها، أنواع أخرى من المسؤولية، ومنها:
1. المساءلة المسلكية:
إذا كان الشخص يشغل وظيفة عامة، وكان سلوكه التشبيحي يشكل مخالفة مسلكية، فقد تُفرض عليه العقوبات التي يحددها القانون، وفقًا لأصول وضمانات المحاكمة المسلكية، من التنبيه أو الإنذار إلى العقوبات الأشد التي يجيزها القانون، وصولًا إلى العزل أو الطرد عند توافر شروطه.
2. التدابير السياسية:
إن اعتماد العزل السياسي والحرمان من الاشتراك في أي عملية ديمقراطية قد يكون ضرورة يفرضها الاستقرار الوطني، لكن يجب أن يكون ذلك بنص قانوني واضح ومحدد المدة والشروط والآثار، وألا يتحول إلى عقوبة انتقامية جماعية أو أداة لتصفية الخصوم.
3. النبذ الاجتماعي:
للمجتمع أن يتخذ مواقف أخلاقية ممن لم يقف موقفًا أخلاقيًا من قضاياه العادلة، فينبذهم اجتماعيًا عبر أساليب عديدة، وقد تكون لذلك آثار مجدية.
أما الشبيح غير الموظف، فقد يُطبّق بحقه العزل السياسي والنبذ الاجتماعي، وفقًا لما يقرره القانون، إن كان لذلك سند قانوني.
ثالثًا: المطبّل للقيادة
ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح «المطبّل للقيادة» ليكون، في الخطاب الشعبي، شبيهًا بمصطلح «شبيح النظام» في الخطاب السابق.
لكن علينا ألا نقع في الخطأ ذاته.
فليس كل مؤيد للقيادة مطبّلًا، وليس كل من ينتقد القيادة خائنًا للوطن.
فالتأييد السياسي، والدفاع عن القيادة، بل وحتى المبالغة في مدحها، قد يكون موقفًا سياسيًا سيئًا أو انتهازيًا أو مضللًا، لكنه لا يتحول تلقائيًا إلى جريمة.
ويختلف الأمر عندما يتجاوز الشخص مجرد التأييد أو الدفاع السياسي إلى ارتكاب أفعال محددة يجرّمها القانون، كأن يعمل على بث الكراهية والتحريض بين مكونات المجتمع، أو الدعوة إلى الانتقام خارج إطار القانون، أو التحريض على العنف، أو تهديد الآخرين، أو تشويههم واتهامهم بالخيانة لمجرد ممارستهم حقهم في النقد، أو ارتكاب أفعال أخرى يجرّمها القانون.
عندئذٍ تكون المساءلة عن الفعل المحدد الذي ارتكبه، لا عن كونه «مطبّلًا»، وإنما عن الجرم الذي يعاقب عليه القانون.
أما المطالبة بعزله سياسيًا أو اتخاذ موقف اجتماعي منه، فإن ذلك محل نقاش، ويجب، في حال اعتماده، أن يتم وفق قواعد قانونية عامة ومجردة، لا وفق أهواء الأشخاص، ولا كرد فعل على مجرد الاختلاف في الرأي.
ملاحظة
قد يبدو «التطبيل» في ظاهره دفاعًا عن القيادة، لكنه قد يتحول في الواقع إلى ضرر بالغ بها، بل وإلى خطر عليها.
فالقيادة التي لا تسمع إلا المديح، ولا يصل إليها إلا الكلام الذي يوافق هواها، قد تفقد القدرة على رؤية أخطائها وتصحيح مسارها.
والمطبّل لا يخدم القيادة عندما يبرر كل خطأ، أو يحوّل كل نقد إلى خيانة، أو يقدّم صورة وردية عن الواقع؛ بل قد يحاصرها داخل دائرة من الوهم، ويمنع عنها النقد البنّاء، ويشوّه الرأي العام، ويدفع المجتمع نحو الاستقطاب.
وكما أن الشبيحة لم يكونوا خطرًا على خصوم النظام السابق فحسب، بل كانوا في نهاية المطاف خطرًا على النظام نفسه، فإن المبالغة في التطبيل والتبرير قد تجعل من المطبّلين خطرًا على القيادة والمجتمع والوطن معًا.
الخلاصة
إن بناء دولة القانون لا يبدأ بتغيير قاموس الشتائم السياسية، ولا باستبدال «الشبيح» بـ«المطبّل»، وإنما يبدأ بإعادة كل مسألة إلى ميزان القانون والعدالة.
فلا يجوز أن يصبح التأييد جريمة، كما لا يجوز أن يصبح النقد خيانة، ولا أن يتحول الخلاف السياسي إلى اتهام جنائي، ولا أن تُفرض العقوبات على أساس الانتماء أو الموقف أو الرأي.
والقاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة الانتقالية هي:
لا تشبيح ولا تطبيل يساويان جريمة بذاتهما، ولا جريمة ولا عقوبة بلا نص، ولا إدانة بلا دليل، ولا مجرم بلا حكم قضائي مبرم
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
