آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » برمانة المشايخ.. حين ينحت الجبل ذاكرته

برمانة المشايخ.. حين ينحت الجبل ذاكرته

عدنان كامل الشمالي

 

 

ثمة أماكن لا تحتاج إلى كثير من الشرح كي تحبها؛ يكفي أن تسلك الطريق إليها.

هكذا تبدو برمانة المشايخ، البلدة الجبلية التي تتكئ على سفوح ريف طرطوس، على ارتفاع يقارب 760 متراً عن سطح البحر. وكلما ارتفع الطريق نحوها، تبدلت الصورة؛ يخف صخب الساحل، يبرد الهواء، وتصبح الأشجار والحقول والبيوت المتناثرة على السفوح هي المشهد.

وعند مدخل البلدة تستقبلك الغابة، ثم تتابع الطريق بين الخضرة والقرى الصغيرة والمدرجات الزراعية. هنا، الماء ليس مجرد تفصيل في الطبيعة؛ فالينابيع والعيون جزء من حياة المنطقة، وتنتشر في قراها ينابيع تحمل أسماءها وذاكرتها، فيما بقيت الزراعة وتربية المواشي من أبرز ملامح الحياة الريفية فيها.

لكن برمانة المشايخ تحتفظ بمفاجأتها الكبرى إلى جانب الطريق.

فجأة، يتحول الجرف الصخري إلى وجوه.

تقترب أكثر، فتكتشف أنك أمام عمل فني منحوت مباشرة في الجبل: بانوراما الشيخ المجاهد خليل أحمد الخطيب، أحد رفاق الشيخ صالح العلي في مقاومة الاحتلال الفرنسي.

على جرف صخري يمتد لنحو ثلاثين متراً، وبمساحة تقارب مئتي متر مربع، حوّل مجموعة من النحاتين السوريين الحجر الأصم إلى مشهد نابض بالشخصيات والرموز. في قلب البانوراما يبرز وجه الشيخ خليل الخطيب، وحوله وجوه رفاق وشخصيات ورموز استُلهمت من تاريخ المنطقة والثورة، بينها المرأة والفلاح والجواد العربي.

واللافت أن هذا العمل لم يولد في قاعة فنية ولا في متحف؛ بل وُلد هنا، في الجبل، وعلى الصخر نفسه.

تعود فكرة البانوراما إلى عدنان صفي الدين الخطيب، حفيد الشيخ، الذي أراد أن يخلّد سيرة جده ومشاركته في الثورة إلى جانب الشيخ صالح العلي. وبدأ العمل عليها عام 2007، بمشاركة مجموعة من النحاتين السوريين، قبل أن يتحول الجرف إلى واحد من أكثر معالم برمانة المشايخ إثارة للدهشة.

وللعمل حكاية أخرى تزيده جمالاً؛ فالجرف الذي احتضن المنحوتة كان يُعرف باسم «قلع النحلات»، في إشارة إلى استخدامه في تربية النحل. واليوم، وبدلاً من خلايا النحل، تحمل صخوره وجوهاً تستعيد ذاكرة المكان.

ولعل أجمل ما في البانوراما أنها لا تفصل التاريخ عن المكان. أنت لا تقف أمام نصب تذكاري ثم تبحث عن الجبل؛ أنت تقف أمام التاريخ والجبل في صورة واحدة. فالصخر الذي خرجت منه الوجوه هو جزء من الأرض التي عاش عليها أصحابها، والطريق الذي يمر بمحاذاته يحمل الزائر من الحاضر إلى حكاية مضت.

أما الشيخ خليل الخطيب، الذي يتوسط العمل، فلم يكن اسماً عابراً في تاريخ المنطقة؛ فقد عُرف قاضياً وحكيماً، وارتبط اسمه بثورة الشيخ صالح العلي، وتذكر المصادر دوره في إيواء مستودعات السلاح ومساندة الثورة، الأمر الذي جعله هدفاً للاحتلال الفرنسي.

بعد البانوراما، يعود المشهد إلى هدوئه.

شجرة، حقل، ينبوع، بيت جبلي، وطريق يتلوى بين السفوح.

وهنا تحديداً تكمن قيمة برمانة المشايخ. فهي لا تقدم للزائر معلماً واحداً وتنتهي الحكاية عنده؛ بل تمنحه رحلة قصيرة تجمع الجبل والماء والخضرة والزراعة والذاكرة والفن.

وربما لهذا تبدو الزيارة مختلفة في كل مرة؛ ففي الشتاء يلبس الجبل ضبابه، وفي الربيع تتسع الخضرة، وفي الصيف يصبح ارتفاع البلدة ملاذاً من حرارة الساحل.

وعندما تغادرها، قد لا تحمل معك اسم منتجع أو صورة لمعلم سياحي تقليدي.

ستحمل شيئاً أبسط وأجمل:

صورة طريق أخضر، وصخرة عليها وجوه تنظر إلى العابرين

 

 

 

(موقع اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فجليت في ريف الدريكيش:غابات جميلة وتكوينات صخرية وكهوف طبيعية ومغارة غير مستثمرة

عدنان كامل الشمالي     تقع قرية فجليت في ريف منطقة دريكيش بمحافظة طرطوس، وهي تتبع إدارياً لناحية جنينة رسلان، وتعد من القرى الجبلية التي ...