آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » حمص.. أمُّ الحجارة السوداء وذاكرة الأبواب السبعة: العمارة الحمصية الأصيلة تحكي تاريخ المدينة في الحجر والأقواس والأزقة القديمة

حمص.. أمُّ الحجارة السوداء وذاكرة الأبواب السبعة: العمارة الحمصية الأصيلة تحكي تاريخ المدينة في الحجر والأقواس والأزقة القديمة

 

نور طيبة – حمص

 

تتميز مدينة حمص القديمة بنسيج عمراني فريد، تتجاور فيه البيوت التراثية المتراصة داخل أزقة وشوارع ضيقة، لتشكل لوحة معمارية تعبّر عن هوية المدينة وخصوصيتها. وتبرز في هذه العمارة تفاصيل دقيقة من الأقواس والأفنية الداخلية والإيوانات والزخارف، إلى جانب الاستخدام اللافت للحجر الأسود، الذي ارتبط بحمص حتى غدت تُعرف باسم «أم الحجارة السوداء».

 

ولا تزال بعض البيوت الحمصية القديمة شاهدة على هذا التراث، بما تحمله من عناصر العمارة العربية التقليدية، وفي مقدمتها الفناء الداخلي، والإيوان، والبحرة، والسلسبيل، والملقف، إضافة إلى الأقواس والزخارف والقناديل والفوانيس التي كانت تضفي على المكان جمالًا خاصًا.

 

وقد تحولت بعض الأبنية التراثية إلى مواقع ثقافية وسياحية، فيما حافظت أخرى على طابعها الأصلي، لتبقى شاهدًا حيًا على نمط الحياة والعمران الذي ميّز حمص القديمة عبر مراحل تاريخية مختلفة.

 

الحجر الأسود.. علامة فارقة في عمارة حمص

 

ارتبط اسم حمص تاريخيًا باستخدام الحجارة البركانية السوداء في تشييد عدد من مبانيها وأسوارها ومنشآتها القديمة. ويشير مختصون بالتراث المعماري في المدينة إلى أن استخدام هذه الحجارة شكّل جزءًا أساسيًا من الهوية البصرية لحمص القديمة، وخلق انسجامًا بين مواد البناء والعناصر الزخرفية.

 

ومن أبرز السمات التي تميز العمارة الحمصية العمارة الأبلقية، وهي أسلوب يعتمد على التناوب بين مداميك أو أحجار مختلفة الألوان، ولا سيما الحجر الأسود والحجر الفاتح، بما يمنح الواجهات إيقاعًا زخرفيًا واضحًا.

 

ولم يكن الحجر في البيت الحمصي مجرد مادة للبناء، بل أصبح عنصرًا جماليًا يضفي على الواجهات والأقواس والمداخل طابعًا مميزًا، فيما ساعدت طبيعة التصميم الداخلي للبيت العربي على توفير قدر من الاعتدال الحراري والخصوصية.

 

*البيت الحمصي.. جمال الفناء والإيوان

 

كان البيت الحمصي التقليدي يقوم في كثير من نماذجه حول فناء داخلي تتوزع حوله الغرف والإيوانات، وتوجد في وسطه البحرة التي تضفي على المكان لمسة جمالية وتساعد على تلطيف الأجواء.

 

كما كان للإيوان دور أساسي في الحياة اليومية داخل البيت؛ فالإيوان المظلل يوفر مكانًا مناسبًا للجلوس خلال الأيام الحارة، بينما أتاحت طبيعة توزيع الغرف والإيوانات الاستفادة من حركة الشمس والظل على مدار اليوم.

 

وتبرز في عدد من الأبنية التراثية الحمصية عناصر أخرى مثل السلسبيل والملقف والأقواس والزخارف، وهي مفردات تعكس تطور العمارة العربية التقليدية وقدرتها على الجمع بين الجمال والوظيفة.

 

ومن أبرز الأبنية والبيوت التراثية التي ارتبط اسمها بتاريخ حمص: قصر الزهراوي، ودار مفيد الأمين، وبيت الآغا، إلى جانب عدد كبير من البيوت والأسواق والمنشآت التي ما تزال حاضرة في ذاكرة المدينة وتراثها العمراني. وتذكر مصادر تاريخية وثقافية هذه الأبنية ضمن أبرز معالم حمص القديمة.

 

*أبواب حمص السبعة.. أسماء بقيت حية في ذاكرة المدينة

 

إلى جانب عمارتها المميزة، عُرفت حمص القديمة بأبوابها السبعة التي كانت جزءًا من منظومة السور والتحصينات المحيطة بالمدينة. وهذه الأبواب هي:

 

باب السوق، باب هود، الباب المسدود، باب التركمان، باب السباع، باب الدريب، وباب تدمر.

 

وكان لكل باب موقع ووظيفة واتجاه يرتبط بالطرق الخارجة من المدينة والقرى والمناطق المجاورة.

 

باب السوق

 

كان يُعرف أيضًا باسم باب الرستن، وارتبط اسمه بالأسواق القديمة التي كان يؤدي إليها. ويُذكر أنه كان قريبًا من الجامع النوري الكبير، ومنه تتجه الطرق نحو المناطق الشمالية.

 

باب هود

 

يقع في الجهة الغربية من المدينة القديمة، وكان يشكل منفذًا مهمًا باتجاه تلكلخ والحصن والمناطق الساحلية، كما ارتبط بالطرق التجارية الخارجة من أسواق المدينة نحو الغرب.

 

الباب المسدود

 

يُعد الباب المسدود من أبرز ما تبقى من أبواب حمص القديمة، إذ ما تزال أجزاء من ركائزه ومعالمه قائمة، وهو ما منحه أهمية خاصة بين أبواب المدينة التاريخية. وتشير روايات تاريخية إلى أن تسميته ارتبطت بإغلاقه في إحدى الفترات، قبل أن يُعاد فتحه لاحقًا.

 

باب التركمان

 

يقع بالقرب من قلعة حمص وفي الجهة الغربية من السور، وارتبطت تسميته باستقرار مجموعات من التركمان في المنطقة خلال مراحل تاريخية لاحقة. وكان يؤدي إلى البساتين والطرق المتجهة نحو الغرب

 

باب السباع

 

يقع إلى الشرق من قلعة حمص، واشتهر بهذا الاسم نسبة إلى نقوش لأسدين ارتبطا بشعار السلطان المملوكي الظاهر بيبرس. وكان الباب من المداخل المهمة للمدينة، ولا سيما باتجاه الجنوب وطريق دمشق.

 

باب الدريب

 

كان يقع في الجهة الشرقية الجنوبية من المدينة، ويؤدي إلى القرى والمناطق الواقعة شرق حمص وجنوبها الشرقي، ويرتبط اسمه بالطرق والدروب المؤدية إلى تلك المناطق.

 

باب تدمر

 

يقع في الجهة الشمالية الشرقية من السور القديم، وحمل اسمه نسبة إلى الطريق المؤدي إلى مدينة تدمر، فكان أحد المنافذ المهمة التي تربط حمص بالمناطق الواقعة إلى الشرق.

 

أبواب غابت حجارتها وبقيت أسماؤها

 

مع مرور الزمن والتوسع العمراني، اختفت معظم أبواب حمص القديمة أو تهدمت أجزاء كبيرة منها، ولم يبقَ منها سوى بقايا حجرية محدودة في بعض المواقع، بينما تحولت أسماؤها إلى جزء راسخ من جغرافية المدينة وذاكرة أهلها.

 

وهكذا بقيت أسماء باب السوق، وباب هود، وباب السباع، وباب الدريب، وباب تدمر، وباب التركمان، والباب المسدود حاضرة في أسماء الأحياء والشوارع والمواقع، لتؤكد أن التاريخ لا يعيش في الأبنية وحدها، بل يستمر أيضًا في الأسماء التي يتناقلها الناس جيلاً بعد جيل.

 

حمص.. مدينة تحفظ ذاكرتها بالحجر

 

من يتجول في أحياء حمص القديمة يدرك أن المدينة لا تختزن تاريخها في الكتب وحدها؛ فالأزقة الضيقة، والأقواس، والأفنية، والحجارة السوداء، وبقايا السور والأبواب، كلها تحكي فصولًا من تاريخ مدينة عريقة تعاقبت عليها حضارات وعصور متعددة.

 

إن الحفاظ على ما تبقى من هذا التراث العمراني ليس مجرد حماية لأبنية قديمة، بل هو حفاظ على ذاكرة حمص وهويتها المعمارية والثقافية؛ فكل حجر أسود، وكل قوس، وكل اسم من أسماء أبوابها السبعة، يمثل جزءًا من حكاية مدينة ما زالت ذاكرتها حية في وجدان أهلها.

 

حمص ليست مدينة تعيش على تاريخها، بل مدينة ما زال تاريخها يعيش في تفاصيلها

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

خط الثلث من جذوره الأموية إلى تطوره العثماني

يعود تاريخ خط الثلث إلى العصر الأموي حين ظهر على يد قطبة المحرّر قبل أن يخضع لاحقاً لقواعد ومقاييس دقيقة وضعها الوزير الخطاط ابن مقلة، ...