د. ياسر محمد علوش
أنا لم أصل إلى هذه القناعة من قراءة تقرير أو متابعة برنامج اقتصادي، بل من سنواتٍ طويلة قضيتها في مقابلات وأبحاث ميدانية، في بيوتٍ أعرف رائحتها، وفي طرقاتٍ أعرف غبارها، وفي وجوهٍ تحمل سؤالًا واحدًا لا يتغير: لماذا أبناء الساحل فقراء؟ ولماذا بقي الفقر هنا وكأنه قدرٌ لا يُمحى؟
وكلما تعمّقت في البحث والتحليل، اكتشفت أن الفقر لم يولد في الساحل، بل صُنِع، وزُرع، ورُعي بعناية، وكأن هناك من أراد لهذه المنطقة أن تبقى معلّقة براتبٍ لا يكفي، ووظيفةٍ لا تسمح لصاحبها أن يحلم، وسقفٍ منخفضٍ لا يريدون له أن يرتفع.
كنت أدخل البيوت فأسمع الجملة نفسها تتكرر كأنها نشيد حزين: “ما في شغل غير الوظيفة… وما في مشروع بيمشي” سمعتها من صيادٍ فقد قاربه، ومن شابٍ يحمل شهادة بلا مهارة، ومن امرأةٍ حاولت فتح مشروع صغير، فوجدت نفسها أمام جدارٍ من المنع غير المعلن.
ومع الوقت، ومع كل مقابلة وبحث وتحليل، بدأت تتضح الصورة: النظام السابق لم يُفقِر الساحل صدفة، بل مارس هندسة اقتصادية مقصودة. هندسة تجعل الناس يعتمدون على الوظيفة وحدها، وتمنع أي مشروع قبل أن يولد، وتغرق السوق بسلعٍ رخيصة تقتل الإنتاج المحلي، وتحوّل التعليم المهني إلى شهادات بلا مهنة، وتخنق أي محاولة للابتكار أو المبادرة.
رأيت بأمّ عيني كيف تحوّلت الوظيفة من أمانٍ إلى قيد، وكيف أصبح الراتب وسيلةً للسيطرة، وكيف صارت ثقافة كاملة تُلقّن الناس: لا تفكر، لا تبادر، لا تخاطر، خذ راتبك واسكت.
وهكذا تحوّل الساحل إلى منطقة تنتظر التنمية ولا تصنعها، منطقة تنتظر الراتب ولا تنتجه، منطقة تُعاقَب كلما حاولت أن تنهض.
المفكر الاقتصادي أمارتيا سن يقول إن التنمية هي توسيع خيارات الإنسان، والساحل، عبر عقود، لم يُمنح خيارًا واحدًا خارج الوظيفة.
أما بيتر دراكر فيحذّر من المجتمعات التي تعتمد على الوظيفة وحدها، لأنها تُنتج أفرادًا بلا قدرة على الابتكار، بينما هيرنانديز دي سوتو يصف غياب المشاريع الصغيرة بأنه السبب الأول لغياب التنمية في المناطق الساحلية حول العالم.
كل هذا لم أقرأه فقط، بل رأيته يتجسد أمامي في مقابلاتي: شباب يحملون شهادات بلا مهارة، بلا مشروع، بلا بديل.
وحين وصلت في أبحاثي إلى ثقافة العمل الحر، فهمت لماذا خافوا منها؛ فالعمل الحر يصنع إنسانًا لا يمكن السيطرة عليه، إنسانًا يخلق رزقه، ولا ينتظر أحدًا ليمنحه إياه، إنسانًا يملك مهارة، ومشروعًا، وقيمة، وصوتًا.
العمل الحر ليس مجرد اقتصاد، إنه تحرر. وفي أطروحتي، وجدت أن كل شاب امتلك مهارة مستقلة ارتفع دخله، وارتفعت ثقته، وارتفعت مساهمته في المجتمع، بينما كل شاب بقي رهين الوظيفة بقي رهين الفقر.
الساحل ليس منطقة مهمّشة كما أرادوا لها أن تكون؛ الساحل خزان بشري، وطاقات، ومهارات، وسوق مفتوحة على البحر والعالم، لكنه بقي محبوسًا خلف ثقافة واحدة: الوظيفة هي كل شيء.
اليوم، هذه الثقافة تتصدع. اليوم، بدأ الناس يسألون: لماذا لا أبدأ؟ لماذا لا أتعلم؟ لماذا لا أخلق رزقي؟
اليوم، يفتح الساحل الباب الذي أُغلق عمدًا، ويستعيد ما سُرق منه.
وأنا أكتب هذا الكلام الآن، لا أكتب تحليلًا باردًا، بل أكتب ما رأيته، وما سمعته، وما وثّقته، وما حملته معي من كل مقابلة، وكل بيت، وكل شهادة، وكل دراسة وبحث.
لكن لا ينبغي أن يُفهم من هذا أن الوظيفة في ذاتها عقبة، أو أنها سلبية؛ فالوظيفة يمكن أن تكون ركيزةً للاستقرار، ومصدرًا للخبرة، وجسرًا نحو بناء الذات. المشكلة ليست في الوظيفة، بل في أن تُختزل الحياة الاقتصادية والاجتماعية فيها وحدها، وكأنها الخيار الوحيد.
التنمية الحقيقية لا تُبنى على طريق واحد، بل على تعدد المسارات: وظيفة تُعطي الأمان، ومبادرة تُعطي الحرية، وإنتاجٌ يمنح الاستقلال المادي.
الساحل لم يكن فقيرًا، بل أُفقِر.
والوظيفة لم تكن أمانًا، بل قيدًا حين أصبحت الطريق الوحيد.
والعمل الحر ليس رفاهية، بل معركة لاستعادة التنمية التي سُرقت.
التنمية تبدأ حين يتحول الإنسان من متلقٍ إلى صانع.
والساحل… حان وقت أن يصنع نفسه، وأن يرفع رأسه، وأن يقول بصوتٍ لا يُكتم بعد اليوم:
لسنا فقراء… نحن فقط تأخرنا

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

