يشكل اليوم الدولي للترجمة، الذي يصادف في الثلاثين من أيلول من كل عام، مناسبة للاحتفاء بالمترجمين والعاملين في مجالات الترجمة التحريرية والشفوية والمصطلحات، وتسليط الضوء على دور الترجمة في نقل المعرفة والأدب والفكر بين اللغات والثقافات، وتعزيز التواصل والحوار بين الشعوب.
وذكرت الأمم المتحدة على موقعها الرسمي أن الجمعية العامة اعتمدت في 24 أيار 2017 القرار رقم 71/288، وأعلنت بموجبه الثلاثين من أيلول يوماً دولياً للترجمة، تقديراً لدور الترجمة المهنية في التقريب بين الدول، وتيسير الحوار والتفاهم والتعاون، والمساهمة في التنمية وتعزيز السلام والأمن العالمي.
الترجمة.. نقل للثقافة والمعرفة
لا تقتصر الترجمة على نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، بل تتصل بنقل المعاني والسياقات الثقافية وأنماط التفكير، ما يجعل المترجم حلقة وصل بين ثقافتين، ويسهم في إتاحة الأعمال الأدبية والفكرية والعلمية أمام قراء ينتمون إلى لغات مختلفة.
وأتاحت الترجمة عبر التاريخ انتقال مؤلفات أدبية وفلسفية وعلمية بين الحضارات، وأسهمت في تعريف الشعوب بآداب وفنون وتجارب ثقافية لم تكن متاحة بلغاتها الأصلية، فيما يواصل المترجمون اليوم أداء هذا الدور في ظل اتساع حركة النشر والتواصل الثقافي بين مختلف أنحاء العالم.
المترجم جسر بين الثقافات والذكاء الاصطناعي أداة مساعدة

أشار المترجم مهند محاسنة في تصريح لـ”سانا”، إلى أن دور المترجم في نقل الثقافة والمعرفة بين الشعوب لم يختلف عما كان عليه عبر التاريخ، فهو لا يزال الجسر بين الثقافات والركيزة التي تحمل مظلة التبادل الثقافي والنقل المعرفي بين الشعوب، مؤكداً أنه “لا نقل من دون ترجمة”.
ولفت إلى أن أدوات الذكاء الاصطناعي، على الرغم من تطورها المتسارع، لن تكون مدركة بصورة كاملة لثقافة الشعوب، وخاصة فيما يتعلق بالنطق بغير اللغة الفصحى في العربية، أو اللهجات المختلفة في العربية والإنكليزية وغيرها من اللغات، مبيناً أن هذه الأدوات لا تزال عاجزة عن نقل المعنى الثقافي العميق.
وأوضح أن المترجم يتحمل مسؤولية كبيرة تجاه ثقافة النص الأصلي، إذ عليه أن يوازن بين الثقافة الأصلية للنص والثقافة المنقول إليها، بحيث لا يجرح ثقافة المتلقي، وفي الوقت نفسه يضيف ما يعزز فهمه للثقافة الأصلية، معتبراً أن تحقيق هذا التوازن الدقيق بين ثقافة النص الأصلي وثقافة النص الناتج لا يستطيع القيام به إلا المترجم المحنك.
وأكد محاسنة أن المترجم يتحمل أقصى درجات المسؤولية في هذه الأمانة اللغوية وأمانة النقل، مشيراً إلى أنه مهما تطورت أدوات الذكاء الاصطناعي ستبقى قاصرة عن فهم المعاني الثقافية الدفينة والأحكام والموروث الشعبي والرمزية الكبيرة التي تتمتع بها كل لغة وثقافة.
ورأى أنه يمكن اعتبار أدوات الذكاء الاصطناعي مساعدةً للمترجم في عمله، من خلال الاستعانة بها في الأمور التي يمكن أن تقدم فيها فائدة لغوية أو ثقافية أو اجتماعية، إذ أصبح البحث من خلالها أسهل وأقل تعقيداً من البحث عبر القواميس والمواقع الإلكترونية والمراجع الورقية، معتبراً أنها “مدخل سهل للبحث” ييسر الجهد ويقلل الوقت اللازم لعملية البحث والتأكد والتحقق من المعلومات.
وأضاف أن المترجم المحنك يستطيع الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي دون أن يظهر أثرها في ترجمته، ودون أن يكون لها تأثير على أسلوبه، أو تمس محتوى النص، أو تؤثر في فهم المتلقي للنص الناتج، مشدداً على ضرورة أن تبقى هذه الأدوات في إطار المساعدة، مع الحفاظ على دور المترجم في الفهم والتحقق وصياغة النص.
تحديات نقل الثقافة العربية إلى اللغات الأخرى
عن أبرز التحديات التي تواجه المترجم العربي في نقل النتاج العربي إلى اللغات الأخرى، بيّن محاسنة أن محدودية عدد القراء المهتمين بالثقافة العربية والنصوص والكتب والمقالات المترجمة تشكل أحد أبرز هذه التحديات، إذ إن عدم وجود اهتمام واسع يحد من قدرة المترجم على التوجه إلى هذا المجال والاستمرار فيه.
وأوضح أن بعض المترجمين يمتهنون الترجمة الثقافية كمصدر دخل، وبالتالي فإن عدم وجود عدد كاف من القراء يحقق الريع المطلوب قد يحول دون استمرارهم في هذا المجال، مشيراً إلى أهمية دور البعثات العربية الثقافية والاجتماعية في الدول الأخرى للترويج للمنشورات المترجمة والثقافة العربية، وجعلها مصدر اهتمام للمتلقين الأجانب.
ولفت إلى أن اطلاع المتلقين الأجانب من خلال النصوص المترجمة على الثقافة العربية يسهم في تصحيح النظرة تجاه الشعوب العربية، مبيناً أن تجربة السياح الذين يزورون المناطق العربية تكشف في كثير من الأحيان تغير نظرتهم بعد التعرف المباشر إلى هذه المجتمعات.
التقدم العلمي رافد للترجمة والحضور الثقافي
أشار محاسنة إلى أن زيادة التطور العلمي تنعكس إيجاباً على كمية الترجمة وحجمها إلى اللغات الأخرى، لأن زيادة الإنتاج العلمي والفكري والأدبي العربي تتيح مجالاً أوسع لنقله إلى المتلقين بلغات مختلفة.
ورأى أن من الوسائل الممكنة لتعزيز حضور الثقافة العربية عالمياً عبر الترجمة إقامة الندوات والفعاليات الثقافية في الدول الغربية، بمشاركة أشخاص عرب، بهدف التعريف باللغة والثقافة والمجتمعات العربية وتشجيع الراغبين من الأجانب على الاطلاع عليها.
الترجمة.. جسر بين الثقافات وتبادل المعرفة
أكد محاسنة أن زيادة الاهتمام العالمي بالثقافة العربية ستنعكس على الإقبال على قراءة الكتب والمنشورات المترجمة، ما يسهم بدوره في تعزيز الترجمة وزيادة حضورها ودورها الثقافي، لتكون جسراً بين الثقافات والشعوب.
وتتطلب عملية الترجمة، ولا سيما في المجالات الأدبية والثقافية، وفق محاسنة فهماً للسياق والخصوصية الثقافية والأسلوب والدلالات، إلى جانب الدقة في اختيار المصطلحات ونقل المعنى بما يحافظ على روح النص الأصلي ويجعله واضحاً لدى القارئ في اللغة الأخرى.
بدوره أكد المترجم ممدوح أبو الوي أن الترجمة أسهمت في نقل نتاج المدارس الأدبية الغربية إلى العربية، وأتاحت التعرف إلى مراحل تطورها واتجاهاتها المختلفة، فضلاً عن دورها في التعريف بالمناهج النقدية الحديثة وتطورها، وما أحدثته من أثر في الحركة الأدبية والنقدية العربية.
ولفت إلى أن جانباً مهماً من المعارف والتيارات الأدبية والنقدية التي وصلت إلى القارئ العربي جاء عبر الترجمة، التي شكلت جسراً للتفاعل بين الثقافات وتبادل الأفكار.
وفي عام 2026، ركز الاتحاد الدولي للمترجمين على موضوع «التنوع اللغوي وحقوق اللغة»، مسلطاً الضوء على دور الترجمة والترجمة الشفوية والمصطلحات في تعزيز الإدماج اللغوي والمشاركة، تحت عنوان فرعي «قوة أن تكون مفهوماً».
وفي ظل تطور تقنيات الترجمة والذكاء الاصطناعي، تبقى الدقة وفهم السياق والخصوصية الثقافية تحديات مهمة، ولا سيما في النصوص الأدبية والثقافية، فيما يبرز اليوم الدولي للترجمة دور المترجمين في نقل المعرفة والأدب والفكر وتعزيز التواصل والتبادل الثقافي بين الشعوب.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

