بقلم: جمعان علي العمير
في اللحظات المفصلية من عمر الأوطان، يظن البعض أن مهمة البناء تقع حصراً على عاتق أصحاب المناصب والقرارات، وأن من هم خارج المؤسسات التنفيذية لا يملكون سوى انتظار ما ستؤول إليه الأحداث. لكن الحقيقة التي أثبتتها تجارب الشعوب عبر التاريخ تقول شيئاً مختلفاً تماماً:
الدول لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل تُبنى بإرادة أبنائها. فليس كل من يخدم وطنه مسؤولاً، وليس كل من يؤثر في مستقبله يشغل منصباً. هناك ملايين الأيادي المجهولة التي تصنع الفرق كل يوم دون أن تظهر في الأخبار أو تتصدر المشهد.
اليوم، وفي هذه المرحلة التي تتطلع فيها الأنظار إلى مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، يصبح السؤال الأهم:
كيف يمكن لكل واحد منا أن يكون جزءاً من عملية البناء، حتى وهو خارج دوائر صنع القرار؟
الجواب يبدأ من إدراك حقيقة بسيطة: الوطن ليس الحكومة فقط، والوطن ليس المؤسسات الرسمية فقط. الوطن هو المجتمع بكل مكوناته، وهو الإنسان قبل أي شيء آخر.
حين يحافظ المواطن على الممتلكات العامة، فهو يبني الدولة.
وحين يلتزم العامل بإتقان عمله، فهو يبني الدولة.
وحين يربي الأب أبناءه على الأخلاق والانتماء والمسؤولية، فهو يبني الدولة.
وحين يزرع المعلم المعرفة في عقول طلابه، فهو يبني الدولة.
وحين ينشر الإعلامي الحقيقة ويبتعد عن الإثارة والشائعات، فهو يبني الدولة.
وفي الأوقات الصعبة تحديداً، تصبح للكلمة قيمة كبيرة. فكما تهدم الكلمات المحبطة عزائم الناس، تستطيع الكلمات الصادقة أن تبعث الطمأنينة، وتعيد الثقة، وتحرك الطاقات الكامنة.
نحن بحاجة إلى ثقافة المبادرة بدلاً من ثقافة الانتظار. وبحاجة إلى ثقافة العمل بدلاً من ثقافة التذمر. وبحاجة إلى ثقافة المسؤولية بدلاً من ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين.
فليس مطلوباً من الجميع أن يكونوا في موقع القرار، لكن المطلوب من الجميع أن يكونوا في موقع المسؤولية.
إن مساعدة محتاج، أو دعم طالب علم، أو إطلاق مبادرة تطوعية، أو إصلاح خلاف اجتماعي، أو المساهمة في مشروع خدمي، كلها أعمال قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تشكل في حقيقتها لبنات أساسية في بناء المجتمع والدولة معاً.
وأخطر ما قد يصيب المجتمعات بعد الأزمات هو انتشار الشعور بالعجز، عندما يعتقد الفرد أن جهوده لن تغير شيئاً.
لكن الأمم لا تنهض بالقفزات الكبرى فقط، بل تتقدم من خلال آلاف الخطوات الصغيرة التي يقوم بها أشخاص عاديون يؤمنون بأن لهم دوراً ورسالة.
التاريخ لا يتذكر فقط من أصدر القرار، بل يتذكر أيضاً من آمن بالفكرة وحملها وساهم في تحويلها إلى واقع.
لذلك، فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى المبادرين أكثر من المتفرجين، وإلى البنّائين أكثر من المنتقدين، وإلى من يبحثون عن الحلول بدلاً من الاكتفاء بوصف المشكلات.
اليوم، الوطن لا يسأل أبناءه عن مناصبهم، بل عن أثرهم.
ولا يسأل أين يقفون، بل ماذا يقدمون.
فكن جزءاً من الحل، وازرع أملاً، وانشر وعياً، وادعم عملاً نافعاً، وأتقن ما بين يديك من مسؤوليات.
فقد لا نصنع القرار، لكننا نستطيع أن نصنع البيئة التي ينجح فيها القرار.
وقد لا نكون داخل دوائر السلطة، لكننا بالتأكيد داخل دائرة الواجب الوطني.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأجمل:
الأوطان العظيمة لا يبنيها المسؤولون وحدهم، بل يبنيها شعبٌ يؤمن أن كل عمل صادق، مهما بدا صغيراً، هو حجر جديد في أساس الدولة ومستقبل أبنائها.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

