آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » اتفاق استراتيجي يكرّس موقع إيران ويرسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة

اتفاق استراتيجي يكرّس موقع إيران ويرسم ملامح مرحلة إقليمية جديدة

 

بقلم: أحمد رفعت يوسف

ثمة معادلة يتفق عليها جميع المراقبين والخبراء، وهي أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل لا يمكن أن توقفا حرباً تخوضانها طالما أن لديهما القدرة على الاستمرار وضمان تحقيق الانتصار، ولو بالنقاط. وبالتالي، فإن أي قرار بوقف القتال مع إيران، أو وضع ضوابط له، أو محاولة منع الانجرار إلى مواجهة موسعة، يؤكد أنهما عجزتا عن تحقيق الأهداف الرئيسية للحرب، وهي تغيير النظام الإيراني، وتدمير البرنامجين النووي والصاروخي، والقضاء على الحركات التي تواجه إسرائيل.

لا شك أن إيران أصابها دمار كبير، وتلقت خسائر جسيمة، وفقدت الكثير من قيادات الصفين الأول والثاني، كما أن الشعب الإيراني يعاني من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة. لكن ما تؤكده المعلومات، التي لا تظهرها البيانات الرسمية ولا التصريحات المتضاربة للرئيس ترامب، ولا حالة الإنكار التي يعيشها نتنياهو، أن إيران تمكنت من إلحاق أضرار جسيمة بالقواعد والمواقع العسكرية الأمريكية، وكذلك بالمواقع والمنشآت الحيوية الإسرائيلية. فقد تمكنت من استهداف وتدمير عشرات الرادارات ومنظومات الاتصالات المختلفة التابعة للقوات الأمريكية في المنطقة. وكان آخرها الضربة القاصمة التي استهدفت الرادار الأمريكي المتطور في جبل الدخان بالبحرين، بعد أيام قليلة من تركيبه، وهو ما مكّن الصواريخ الإيرانية من الوصول إلى أهدافها بسهولة، ووضع الأمريكيين والإسرائيليين أمام أخطار استراتيجية جسيمة لو استمر القتال.

كما أن «الجنرال الزمن» كان يلعب بقوة لصالح إيران، بسبب التأثير الكبير لإغلاق مضيق هرمز على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، واستضافة الولايات المتحدة لكأس العالم لكرة القدم، واقتراب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي، وقرار الكونغرس تقليص صلاحيات ترامب في الحرب، والذي جاء تعبيراً عن موقف كبار جنرالات البنتاغون وأجهزة الاستخبارات الذين لا يتأثرون بفوضى ترامب وتصريحاته.

أهم ما أُعلن من بنود الاتفاق، وفق المصادر الأمريكية:
• وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، بما يشمل لبنان، مع استئناف المفاوضات.
• إعادة فتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة الدولية من دون رسوم (سيتم تسميتها خدمات)، مقابل رفع الحصار الأمريكي على إيران.
• التزام إيراني بعدم امتلاك سلاح نووي، ومعالجة أزمة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مع الموافقة الأمريكية على خفض نسبة تخصيب اليورانيوم داخل إيران تحت إشراف مفتشي الأمم المتحدة.

أما الجانب الإيراني فقد كشف عن تفاصيل أوسع لبنود الاتفاق، أبرزها:
• وقف فوري ودائم للأعمال العدائية على جميع الجبهات، بما فيها لبنان.
• التزام الولايات المتحدة بعدم التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، واحترام سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وسحب قواتها من محيط إيران.
• إعادة فتح مضيق هرمز خلال 30 يوماً وفق ترتيبات إيرانية.
• تعليق العقوبات المفروضة على بيع النفط والمنتجات البتروكيماوية ومشتقاتها، ومنح إيران حق الوصول الكامل إلى مواردها المالية.
• إلزام الولايات المتحدة وحلفائها بتقديم خطط لإعادة إعمار إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار.
• رفع كامل للعقوبات الأمريكية الأولية والثانوية، إضافة إلى قرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
• تأكيد التزام إيران بمعاهدة عدم الانتشار النووي وعدم إنتاج سلاح نووي.
• الإفراج عن 24 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة خلال فترة المفاوضات النهائية الممتدة 60 يوماً.

وهذا يعني أن المفاوضات ستقتصر على مصير المواد المخصبة ونسب التخصيب، ورفع العقوبات، وخطة إعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، فيما تم استبعاد برنامج الصواريخ الإيراني ودعم حركات المقاومة نهائياً من جدول الأعمال.

في قراءة أولية للاتفاق، من السهل القول إنه أقرب إلى الشروط الإيرانية منه إلى الشروط الأمريكية. وتكاد تجمع وسائل الإعلام الأمريكية والإسرائيلية والعالمية على أن ما حدث يشكل انتصاراً استراتيجياً لإيران، سيكرّسها قوة إقليمية كبرى، وستكون له تداعيات جيوسياسية كبيرة جداً على المنطقة وعلى توازنات القوى الإقليمية والدولية، وهو ما ستظهر نتائجه لاحقاً.

كما أظهرت نتائج استطلاع للرأي في إسرائيل، أجرته القناة 13 في اليوم التالي للاتفاق، أن أكثر من نصف الإسرائيليين يرون أن قدرة إسرائيل على الردع قد تراجعت.

وأظهر استطلاع آخر نشرته صحيفة «معاريف» تراجع حصة حزب الليكود ثلاثة مقاعد إضافية في الانتخابات المقبلة، وحصول تحالف اليمين بقيادة الليكود على 50 مقعداً فقط، وهو ما لا يؤهله لتشكيل حكومة جديدة، الأمر الذي قد يعني نهاية الحياة السياسية لنتنياهو، وربما قضاء ما تبقى من حياته في السجن. ويرى بعض المراقبين أن ترامب قد يواجه مصيراً سياسياً مشابهاً في حال خسارة حلفائه انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي.

إقليمياً ودولياً، تشكل هذه النتيجة قفزة نوعية باتجاه الانتقال إلى عالم متعدد الأقطاب. أما تأثيرها المباشر على توازنات المنطقة وخريطتها الجيوسياسية، فإن قدرة إيران على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل حالت دون انتصار المشروع الإسرائيلي وتوسعه في المنطقة. وقد يفضي ذلك لاحقاً إلى خلق نوع من التوازن والتوافق الإقليمي بما يعزز فرص التعاون لتحقيق أمن المنطقة واستقرارها.

ولأن ترامب ونتنياهو لا يؤتمن جانبهما، فمن المشروع التساؤل: هل سينتهي هذا التفاهم إلى اتفاق نهائي؟ أم سيكون مجرد هدنة لشراء الوقت حتى إنجاز الاستحقاقات الأمريكية والانتخابات الإسرائيلية، وتقييم نتائج هذه الجولة وأسباب الفشل، وإجراء المزيد من الدراسات وجمع المعلومات، لنشهد بعدها جولة جديدة من القتال تكون أشد وأعنف؟ أم أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستقبلان بالنتائج الجديدة وتتعاملان معها باعتبارها واقعاً قائماً؟

الجواب عن هذا السؤال ليس بهذه البساطة. فواقع الميدان لا يشير إلى استئناف القتال في المدى القريب، لكن من الصعب أيضاً على إسرائيل والولايات المتحدة التسليم بالهزيمة بهذه السهولة

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انتهت الحرب بالتعادل الإيجابي.. فمتى تبدأ الأشواط الإضافية؟

د. أحمد موسى حوماني    بائسون أولئك الذين يربطون نهاية الحرب الحالية بمواقيت أقل ما يُقال فيها إنها تافهة بنظر صانعي الحروب في هذا العالم، ...