آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » أحفاد… لكن بالترجمة

أحفاد… لكن بالترجمة

بقلم المهندس باسل قس نصر الله

 

 

 

في المهجر، لا تموت العائلة دفعةً واحدة، بل تتآكل بصمت. يبدأ الأمر بتذكرة سفر، ثم بإقامة دائمة، ثم بجواز سفر جديد، وبعد جيلين فقط يصبح الجد بحاجة إلى مترجم كي يتحدث مع حفيده.

قبل فترة، التقيت – بعد تخطيط مسبق – بأحد أقربائي بعد سنوات طويلة من الفراق. لم نلتقِ في حلب، بل في بلاد الغربة. استعدنا الذكريات، وضحكنا على حكايات الطفولة، لكن الضحك توقف عندما انضم إلينا بعض الأبناء، وغالبية الأحفاد.

كانوا مهذبين، مبتسمين، قريبين منا في الدم، بعيدين عنا في اللغة. لم يفهموا حديثنا، ولم نفهم حديثهم، فتحول الأبناء إلى مترجمين بين جيلين من العائلة.

يا للمفارقة! نحن الذين كنا نترجم الحياة لأبنائنا، أصبح أبناؤنا يترجمون لنا أحفادنا.

تفرقت عائلاتنا في أنحاء العالم؛ بين كندا، والولايات المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، واليونان، وغيرها.

لقد حمل الجيل الأول مفاتيح البيوت القديمة، وحمل الجيل الثاني ذكريات تلك البيوت، أما الجيل الثالث فسيحمل صورها فقط، وربما لن يعرف أين تقع على الخريطة. ليس لأنه جاحد، بل لأنه وُلد في وطن آخر، وتكلم لغة أخرى، وصنع ذاكرة مختلفة.

يقف الجد أو الجدة، ولا يعرفان كيف ينقلان مشاعرهما إلى الأحفاد، بينما يسأل الأحفاد والديهم: لماذا لا يفهموننا؟

ليس الأحفاد وحدهم من ابتعدوا عن لغة الأجداد، بل إن الأجداد أيضًا لا يعرفون شيئًا عن لغة الأحفاد.

أنا لا أدعو إلى التخلي عن العربية، فهي الذاكرة والجذور، لكنني أدعو إلى حماية ما هو أهم من اللغة نفسها: العلاقة الإنسانية. فما قيمة أن نحافظ على لغة جميلة إذا فقدنا القدرة على أن نقول لحفيدنا، بها أو بغيرها: “أنا أحبك.”

لقد ثبت أن كثيرًا من الأحفاد لن يتعلموا لغة آبائهم وأجدادهم، وإلى أن يتعلم الأجداد لغة أحفادهم، سنخسر الكثير من اللحظات الشاعرية، ومن المحبة العفوية التي لا تعوض.

أخشى أن يأتي يوم لا يبقى من العائلة سوى صور قديمة يتأملها الأحفاد، ويسألون: “من هذا الرجل؟” فيجيبهم أحدهم: “كان جدكم… لكننا، للأسف، لم نكن نتحدث اللغة نفسها.”

وكم هو حزين أن يقول الطفل لأمه: “متى سنعود إلى بيتنا؟” وهو يزور سورية، حيث بيته الأول، وذكرياته، وغرفة نومه، وطفولته، وحارته…

كم هو قاتل.

اللهم اشهد أنني قد بلغت

(موقع اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حافة الهاوية أم الحرب الشاملة: اختبار الإرادة بين الضغط الأقصى ومعادلة البنى التحتية

    بقلم: حسن حردان   تُظهر التطورات الأخيرة أن المواجهة دخلت منعطفاً بالغ الخطورة، متجاوزة القواعد الكلاسيكية للاشتباك العسكري نحو معادلة استهداف البنى التحتية ...