علي عبود
نادراً ما توجد دولة في العالم، بما فيها الولايات المتحدة الأميركية، لا ترزح تحت وطأة الديون، لكن الفارق كبير جداً بين دول لا يمكنها سداد حتى فوائد ديونها إلا بمزيد من الاقتراض، وبين دولة كأميركا تطبع الدولارات بالكميات التي تريدها لتسديد ديونها!
وعلى عكس الشائع، ليست الدول المنهكة اقتصادياً بفعل محدودية الموارد، والأزمات والقلاقل والحروب… إلخ، هي وحدها من تعاني من الديون الداخلية والخارجية، فهناك أيضاً الكثير من الدول الغنية والنفطية تعجز عن سداد ديونها، بل وتلجأ إلى الاستدانة أكثر فأكثر!
وترتفع مخاطر المديونية للداخل والخارج عندما يزداد حجمها لتتجاوز في الدول النامية الناتج المحلي الإجمالي، كما هو الحال في لبنان والأردن ومصر، وإلى حد ما تركيا!
وفي هذا السياق، ما من مبالغة بالقول إن الديون تفتك بمعظم دول العالم الثالث، بل إن هذا «الفتك» بدأ يمتد إلى دول أوروبية، خاصة بعد الحرب الأطلسية ـ الأوكرانية على روسيا، مثل فرنسا!
لقد نشر موقع «فوكس ـ إيكونوميكس» الاقتصادي في 22/11/2025 قائمة تضم أكثر من 10 دول سجلت أعلى نسبة دين عام إلى الناتج المحلي الإجمالي في العام 2025، وتضم القائمة دولاً متقدمة ونامية، من بينها دولتان عربيتان هما السودان والبحرين!
لن يُفاجأ أحد بأن يكون السودان واحداً من أعلى مستويات الدين عالمياً، لكنه سيفاجأ قطعاً بأن البحرين، المصدّرة للنفط، تعاني أيضاً من المديونية!
لم يأتِ محللو موقع «فوكس ـ إيكونوميكس» بجديد عندما قالوا إن السودان يعاني من أعلى مستويات الدين عالمياً نتيجة الصراعات الداخلية المستمرة وسوء الإدارة الاقتصادية والعقوبات الدولية، إضافة إلى الخسائر الكبيرة التي لحقت بالاقتصاد عقب انفصال جنوب السودان في عام 2011، فما من محلل «عاقل» سيتوقع أن تتراجع ديون السودان وهو يشهد حرباً طاحنة منذ عام 2023!
نعم، المفاجأة أن دين السودان يُشكّل 128% من الناتج المحلي، في حين يُشكّل دين البحرين المتوقع في عام 2025 أكثر من 131% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو البلد المستقر والنفطي!
وحسب محللي موقع «فوكس ـ إيكونوميكس»، فإن ديون البحرين تضاعفت ثلاث مرات تقريباً بين 2012 و2023، بفعل الانخفاض الحاد في أسعار النفط وارتفاع الإنفاق العام ومتطلبات برامج تنويع الاقتصاد، ما جعلها من بين أعلى المعدلات في المنطقة والعالم.
طبعاً، هناك دول عربية لا تقل معاناة على صعيد المديونية، مثل لبنان والأردن ومصر، فهي تقترض سنوياً من المؤسسات الدولية لتسديد فوائد وأقساط ديونها المستحقة سنوياً، وليس لتسديد أصول قروضها التي تزداد عاماً بعد عام وتفتك باقتصاداتها وناتجها المحلي!
كما لم نُفاجأ أن تأتي أميركا في المركز التاسع بالقائمة، والتي رأى محللو الموقع أن ارتفاع دينها العام بشكل حاد خلال العقدين الأخيرين كان بفعل التخفيضات الضريبية المتتالية، وتزايد الإنفاق وكلفة مواجهة الأزمات المالية، لكنهم أغفلوا كلفة تغطية أميركا لحروبها الخارجية، ولا سيما الأخيرة منها في أوكرانيا وفلسطين المحتلة ولبنان وإيران… إلخ.
وبفعل الحروب الخارجية لأميركا، من الطبيعي أن يرتفع الدين العام ليصل إلى 124% من الناتج المحلي الإجمالي، بل كانت أميركا ستتصدر دول العالم في المديونية، لولا إلزام دول نفطية حليفة لها بضخ مليارات الدولارات في اقتصادها من جهة، واللجوء إلى طباعة مليارات الدولارات لسداد جزء من ديونها ولتأمين السيولة للإنفاق العام من جهة أخرى!
وإذا كانت أميركا تملك القوة والقدرة على إدارة دينها العام دون أن يؤثر على اقتصادها ورفاه شعبها، وتمويل حروبها الخارجية… إلخ، فإن الوضع مختلف جذرياً في دول أوروبية لطالما كانت تتباهى باقتصاداتها القوية، كألمانيا وبريطانيا وفرنسا، التي بدأت ديونها تزداد حدتها بفعل انخراطها في حرب طويلة ضد روسيا.
لقد جاءت فرنسا في المركز العاشر والأخير في القائمة، إذ تعاني من عجز مالي مستمر منذ 1975، تغذّيه تكاليف دولة الرفاهية، وضعف النمو، ومعارضة شعبية لأي إجراءات تقشفية، وقد ارتفعت نسبة الدين العام إلى 116% في 2025، مع اتجاه تصاعدي نحو 120% خلال نهاية العقد، ما يهدد استقرارها المالي والاجتماعي.
وقد تكون المفاجأة الكبرى تصدّر اليابان القائمة، إذ من المتوقع أن تتصدر دول العالم في نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 242%، بعدما كانت نحو 50% فقط عام 1990، وجاء هذا الارتفاع نتيجة حزم إنعاش اقتصادي متتالية عقب انهيار فقاعة الأصول في التسعينيات، شملت إنفاقاً ضخماً على البنية التحتية والبرامج الاجتماعية، إضافة إلى تضخّم تكاليف الرعاية الصحية والمعاشات بسبب الشيخوخة السكانية.
والملفت أن تأثير الدين العام في اليابان محدود، لأن معظمه مملوك محلياً ولبنك اليابان، الذي يُبقي تكاليف الاقتراض منخفضة.
الخلاصة: أكد مكسيم أوريشكين، نائب رئيس ديوان الرئاسة الروسية، أن عدداً من دول «مجموعة السبع» تتجه نحو الانهيار المالي بسبب ديونها المتزايدة، وحذّر من تفتت الاقتصاد العالمي بفعل القيود والعقوبات غير القانونية واستيلاء الغرب على الأصول السيادية، وهذه رسالة لدول العالم كافة للاعتماد على الذات، لأن المديونية الخارجية، في حال ازديادها أكثر، ستفتك باقتصاداتها وتلتهم إجمالي ناتجها المحلي الإجمالي
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

