آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » هكذا نصنع أصنامنا .. (2) أخطر الأصنام… حين نسجد ونحن واقفون!!

هكذا نصنع أصنامنا .. (2) أخطر الأصنام… حين نسجد ونحن واقفون!!

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

عندما نامت المدينة، اجتمعت الآلهة الأربعة.

 

قال المال:

ـ أنا أملك الإنسان؛ فهو يعود إليّ كلما خاف.

 

قالت الشهرة:

ـ وأنا أملكه حين يخشى ألّا يراه أحد.

 

وقالت الصورة:

ـ وأنا أجعله يطارد وجهًا لا يصل إليه.

 

أما العلم فقال:

ـ وأنا أَعِدُه بأن المجهول سيخضع له.

 

اختلفوا طويلًا: أيُّهم يملك الإنسان أكثر؟

 

ولم ينتبهوا إلى أن المال يشتري الشهرة، والشهرة تبيع الصورة، والصورة تستدعي العلم، والعلم يعود بما يصنعه إلى المال.

 

ربما لم تكن هناك أربعة آلهة…

 

ربما كان هناك إله واحد بأربعة وجوه.

 

قطع جدالهم صوت ضحكة.

 

اقتربوا من النافذة، فرأوا طفلًا يلعب في الساحة.

 

جمع حجارةً وبنى منها بيتًا، وجعل غصنًا شجرة، وحبة رمل رغيفًا، وقطعة خشب سفينةً تعبر بحرًا لا يراه سواه.

 

قال المال:

ـ ماذا يملك؟

 

قالت الشهرة:

ـ ومن يراه؟

 

قالت الصورة:

ـ ألا يخشى أن تتسخ ثيابه؟

 

أما العلم فقال:

ـ لا يعرف قوانين البناء، ومع ذلك بنى مدينة.

 

كان لا يملك شيئًا مما يملكون، ومع ذلك بدا سعيدًا.

 

هدم مدينته، وضحك، ثم بدأ بناءها من جديد.

 

عندها ارتجفت الآلهة.

 

لم تخف منه لأنه أقوى منها…

 

بل لأنه لم يكن يحتاج إليها بعد.

 

اقتربتُ منه وسألته:

ـ ماذا تبني؟

 

قال:

ـ مدينة.

 

ـ ولمن بيوتها؟

 

ـ لمن يحتاج إلى بيت.

 

ـ وأيُّها أغلى؟

 

نظر إليّ متعجبًا:

ـ البيت لا يكون غاليًا… يكون دافئًا.

 

أعطاه المال قطعة نقدية وقال:

ـ بها تشتري ما تريد.

 

تأملها الطفل، ثم وضعها فوق البيت.

 

ـ ماذا صنعت؟

 

ـ شمسًا.

 

وأعطته الشهرة جرسًا:

ـ اقرعه حتى يراك الناس.

 

قرعه الطفل، فلما جاء رفاقه قال:

ـ تعالوا نبني معًا.

 

قالت الشهرة:

ـ أردتهم أن يصفقوا لك.

 

سألها:

ـ وما حاجتي إلى مَن يراني، إن لم يشاركني؟

 

وقدمت إليه الصورة مرآة:

ـ انظر فيها لتعرف إن كنت جميلًا.

 

وضعها على الأرض، فجرت الغيوم فوق سطحها.

 

قالت:

ـ إنها لوجهك، لا للسماء.

 

سألها:

ـ ولماذا أحتاج إلى مرآة تخبرني مَن أكون؟

 

ثم أعطاه العلم مسطرة:

ـ بهذه تقيس كل شيء.

 

صنع منها الطفل جسرًا، ثم سأله:

ـ هل تقيس محبة أمي؟

 

قال:

ـ لا.

 

ـ وهل يعني ذلك أنها غير موجودة؟

 

صمت العلم.

 

فهمتُ.

 

ليست المشكلة في المال، ولا في الشهرة، ولا في الجمال، ولا في العلم.

 

المشكلة تبدأ حين تنسى الأداة أنها خُلقت لخدمة الإنسان، وتحاول أن تعيد خلقه على صورتها.

 

فالطفل جعل النقود شمسًا، والجرس دعوةً إلى الأصدقاء، والمرآة نافذةً للسماء، والمسطرة جسرًا.

 

كان يستخدم الأشياء، لكنه لم يكن يسألها عن قيمته.

 

ثم جاء أهل المدينة.

 

قالوا له:

ـ النقود تخبرك كم تملك، والتصفيق يخبرك كم تساوي، والمرآة تخبرك كيف يراك الناس، والمسطرة تقرر ما يستحق أن يكون موجودًا.

 

نظر الطفل إلى مدينته.

 

وللمرة الأولى لم يعرف إن كانت جميلة.

 

سألته:

ـ ماذا تغيّر؟

 

قال:

ـ كنت أحبها قبل أن يخبروني كيف أنظر إليها.

 

عندها فهمت كيف تُبنى المعابد داخل الإنسان.

 

يولد الطفل وهو يسأل:

ـ ماذا أصنع بالأشياء؟

 

ثم نعلّمه أن يسأل:

ـ ماذا تصنع الأشياء بي؟

 

رفع الطفل يديه.

 

كان في إحداهما حجرٌ من مدينته، وفي الأخرى قطعة نقدية.

 

وسألني:

ـ أيُّهما أثمن؟

 

أردت أن أجيبه.

 

لكنني خفت أن تكون إجابتي تكوينًا لصنم جديد في معبده.

 

فتركتُ الحجر في يده…

 

وتركتُ السؤال لكم…؟؟

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

نحو حضارة تُبنى على السلام لا على الركام

  بقلم جمعان علي العمير   ليست الثورات العظيمة تلك التي تكتفي بإسقاط الجدران، بل تلك التي تنجح في بناء الإنسان، وليست الأمم القوية تلك ...