آخر الأخبار
الرئيسية » الإفتتاحية » رفع الأسعار بين احتجاج الناس ومسؤولية الحكومة في الاستماع إلى مطالبهم 

رفع الأسعار بين احتجاج الناس ومسؤولية الحكومة في الاستماع إلى مطالبهم 

 

 

رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد

 

شهدت عدة مناطق سورية خلال يوم امس احتجاجات شعبية على خلفية قرار رفع أسعار المحروقات، رافقتها مظاهر غضب واسعة تمثلت بقطع بعض الطرقات، وإعادة عدد من الصهاريج القادمة من العراق والمتجهة إلى بانياس، وإشعال الإطارات، في وقت امتلأت فيه صفحات التواصل الاجتماعي بالبيانات والتعليقات ومقاطع الفيديو التي عبّرت عن رفض القرار، وخصوصاً ما يتعلق برفع سعر مادة المازوت، وطالبت الحكومة بالتراجع عنه.

 

وبعيداً عن تفاصيل القرار وأسبابه الاقتصادية، فإن علينا أن نقول بوضوح إن احتجاج المواطن على قرار يمس لقمة عيشه وطاقته وقدرته على تأمين احتياجات أسرته هو حق مشروع، ما دام سلمياً ومسؤولاً.

 

فالمواطن الذي أنهكته سنوات الحرب والأزمات وارتفاع تكاليف المعيشة، من حقه أن يسأل، وأن يعترض، وأن يطالب الحكومة بمراجعة أي قرار يرى أنه سيزيد من أعبائه ويعمّق معاناته. وليس من مصلحة الدولة أن تنظر إلى كل صوت غاضب باعتباره مشكلة أمنية، بل الأولى أن تنظر إليه باعتباره رسالة اجتماعية واقتصادية ينبغي الاستماع إليها وفهم أسبابها.

 

وفي المقابل، فإن الاحتجاج السلمي لا يعني الاعتداء على الممتلكات العامة أو تعطيل مصالح الناس أو إلحاق الضرر بالمرافق والطرقات والمنشآت. فهذه الممتلكات ليست ملكاً للحكومة أو للوزير أو لأي مسؤول، وإنما هي ملك للشعب نفسه، والإضرار بها يعني في النهاية إلحاق الضرر بالمواطن الذي خرج أصلاً للمطالبة بتحسين حياته.

 

ومن هنا، فإن التعامل الذي اتبعه عناصر الأمن الداخلي في حماية المحتجين، ومحاولة منع الاعتداء على الممتلكات العامة وتهدئة الغاضبين، هو السلوك الذي نريده من مؤسسات الدولة: حماية حق الناس في التعبير، وفي الوقت نفسه حماية الناس وممتلكاتهم ومؤسساتهم العامة.

 

لكن السؤال الأهم الذي ينبغي ألا نتجاوزه هو: هل ستسمع الحكومة هذه المرة صوت الشارع؟

 

لقد شهد العام الماضي اعتراضات شعبية واسعة على قرار رفع أسعار الكهرباء، ومع ذلك شعر كثير من المواطنين أن أصواتهم لم تجد الاستجابة الكافية. واليوم يتكرر المشهد مع المحروقات، وهي مادة ترتبط مباشرة بالنقل والزراعة والصناعة والتدفئة والخدمات، وبالتالي فإن رفع أسعارها لا يبقى محصوراً في سعر ليتر المازوت، بل ينعكس على معظم تفاصيل الحياة اليومية، وعلى أسعار السلع والخدمات وأجور النقل والإنتاج.

 

إن تجاهل الاحتجاجات أو التعامل معها باعتبارها موجة عابرة لن يحل المشكلة. المشكلة الاقتصادية لا تُعالج بتجاهل الألم الاجتماعي، وإنما بالاستماع إلى الناس وشرح القرارات لهم ومصارحتهم بأسبابها ونتائجها والبدائل الممكنة.

 

والأهم من ذلك أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة جدية للسياسات الاقتصادية وآليات اتخاذ القرار. فالسوريون كانوا يأملون، بعد سقوط النظام السابق والتحولات السياسية الكبيرة، ورفع العقوبات والانفتاح على العالم وعودة النشاط في قطاعات وحقول النفط، أن تنعكس هذه التطورات تدريجياً على حياتهم، وأن يبدأ الاقتصاد بالتعافي وأن تتحسن القدرة الشرائية وفرص العمل والخدمات.

 

وإذا كانت النتائج حتى الآن دون مستوى التوقعات والطموحات، فلا يجوز أن يكون الحل ببساطة تحميل المواطن فاتورة عدم النجاح في تحقيق التحسن المأمول.

 

نحن بحاجة إلى خبراء اقتصاديين حقيقيين، وإلى أصحاب اختصاص وكفاءة وتجربة، وإلى دراسات دقيقة قبل اتخاذ القرارات التي تمس حياة ملايين السوريين. فالاقتصاد ليس ساحة للتجريب، والمواطن الذي يعيش بأجر ودخل محدود لا يستطيع أن يتحمل نتائج القرارات غير المدروسة.

 

كما أن المسؤولية الحكومية لا تقاس فقط بقدرة الدولة على تأمين الإيرادات، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المواطن من الفقر، وتحسين مستوى معيشته، وتوفير بيئة اقتصادية تسمح له بالعمل والإنتاج والعيش بكرامة.

 

ومن حق الحكومة أن تبحث عن مواردها وأن تعالج الاختلالات الاقتصادية، لكن عليها في الوقت نفسه أن تسأل: من سيدفع ثمن هذه المعالجة؟ وهل يمتلك المواطن السوري اليوم القدرة على تحمل المزيد؟

 

إننا في “أخبار سوريا الوطن” ننحاز بوضوح إلى الدولة والشعب معاً؛ إلى دولة قوية بمؤسساتها وقانونها، وإلى شعب كريم من حقه أن يعيش بأمان وكرامة. وانحيازنا للدولة لا يعني الانحياز إلى أي مسؤول يشغل موقعاً في مؤسسة حكومية، إذا عجز عن تحقيق تطلعات الناس أو لم ينجح في إدارة الملف الموكول إليه.

 

المسؤول يأتي ويغادر، أما الدولة فباقية، والشعب هو صاحب المصلحة الحقيقية فيها.

 

لذلك نقول للمواطن: احتج، عبّر عن غضبك، طالب بحقك، وارفع صوتك سلمياً؛ ووفق القانون فهذا حقك. لكن لا تحرق أو تدمر ما هو ملك لك ولأبنائك.

 

ونقول للحكومة: استمعوا إلى الناس قبل أن يتسع الغضب، وراجعوا القرارات التي تثقل كاهلهم، واستعينوا بالكفاءات والخبرات القادرة على إخراج الاقتصاد من أزمته.

 

فالدولة التي تسمع شعبها تكون أقوى، والمواطن الذي يحتج دون أن يعتدي على وطنه يكون أكثر حرصاً على دولته.

 

المطلوب اليوم ليس إسكات صوت الناس، ولا كسر إرادتهم، بل تحويل هذا الصوت إلى فرصة لمراجعة السياسات وتصحيح المسار.

 

فـصوت المواطن ليس خطراً على الدولة… تجاهله هو الخطر

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تجديد عقود العاملين… لماذا لا تعمم تجربة وزارة الزراعة؟

رئيس التحرير: هيثم يحيى محمد     في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد، لا يزال ملف العاملين المؤقتين الذين انتهت عقودهم ...