كتب: محمد خير الوادي
أول مرة أجد نفسي في وضع غير مريح لدى البدء بالكتابة عن موضوع سياسي مهم له تأثير كبير على حاضر المنطقة ومستقبلها، وأقصد الاتفاق الإيراني الأمريكي.
وسبب هذا الشعور بعدم الارتياح يكمن في أنني سأتناول اتفاقًا لم أتمكن من الاطلاع عليه بسبب طوق الكتمان الشديد المضروب حوله، وهو أمر يثير الحيرة والريبة معًا. فكل ما يُطبخ في السر وفي الدهاليز المظلمة يبعث على الحذر والقلق. ولذلك لن أنحو في مقالتي هذه باتجاه تحليل بنود الاتفاق، بل سأقتصر على قراءة الأحداث والتصريحات التي رافقت هذا الحدث، واستخلاص بعض التوجهات منها.
وأول ما يلفت الانتباه تفصيل مثير تجلّى في لهفة الرئيس ترامب واستعجاله للتوقيع على النسخة الإلكترونية للاتفاق في اليوم نفسه الذي يحتفل فيه بعيد ميلاده، وتقديم ذلك على أنه هدية كبرى استحقها بهذه المناسبة.
ومن أجل إكمال الاتفاق، اتخذ ترامب مواقف صارمة جدًا ضد الأصوات والأفعال المعارضة، بما فيها تلك الصادرة عن حليفه الأول نتنياهو. وهذا أمر يسلط الضوء على الأسلوب الشعبوي الذي تتبعه الإدارة الأمريكية الحالية في اتخاذ كثير من القرارات والمبادرات.
وأترك الجزئيات لأدخل الآن في الجوهر.
الاستنتاج الأول
استنتاجي الأول هو أن الرئيس ترامب يسعى جادًا، ليس فقط للحد من تطلعات إيران النووية وتقليم مخالبها في المنطقة، بل إنه يحاول أيضًا تغيير طبيعة النظام في إيران وجرّه إلى موقع التحالف مع الولايات المتحدة.
فالرئيس ترامب أطلق كثيرًا من التصريحات التي تؤكد رغبته في تحويل طهران من عدو إلى حليف، وأحجم عن تدمير البنية التحتية الاقتصادية لهذا الحليف المفترض.
وأعتقد أن ترامب قد وقع في الوهم نفسه الذي ساور الرئيس نيكسون، ومن بعده عددًا من القادة الأمريكيين، في أواخر سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين راهنوا على إغراء الصين وجرّها إلى المعسكر الغربي.
وللتذكير فقط، فقد فتحت الولايات المتحدة آنذاك خزائنها المالية والعلمية أمام الصين، التي استفادت بنهم شديد من مئات المليارات من الدولارات، وحصلت بسهولة على أحدث المنجزات الأمريكية في العلوم والتقانة.
وللتاريخ أقول إن الزعيم الصيني آنذاك، دينغ شياو بينغ، استغل ذلك الانفتاح الغربي بمهارة وذكاء من أجل تطوير الاقتصاد الصيني ومراكمة عوامل القوة الصينية. وكانت النتيجة إخفاق المحاولات الغربية، التي اصطدمت بصخرة عقائدية صلبة مثّلها الحزب الشيوعي الصيني، الذي حافظ على الطابع السياسي للنظام الصيني.
وهذا الأمر يكرره ترامب اليوم مع إيران. فهو يعتقد أن بالإمكان جذب إيران، عبر تقديم المغريات المالية والسياسية لها، إلى التعاون أو التحالف مع الولايات المتحدة.
ولذلك يكثر الرئيس الأمريكي من الحديث عن المستقبل المشرق الذي يمكن أن ينتظر إيران إذا تقاربت مع أمريكا، وعن التعاون المشترك لبناء إيران جديدة.
وعلى الصعيد الشخصي، أتمنى أن تتحقق طموحات الرئيس ترامب هذه، وأن يفضي الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى تحرير إيران من قيود ولاية الفقيه وشبكاتها، وأن تتخلى طهران عن تطلعاتها التوسعية لتصدير الثورة، وعن كراهيتها لجيرانها العرب، وأن تتحول إلى دولة طبيعية تنشد التعاون مع جيرانها، وتعمل معهم على تعزيز السلام والأمن والاستقرار في منطقة الخليج العربي.
لكن الواقع الحالي في إيران لا يبشر بذلك. فسلطة ولاية الفقيه لا تزال مهيمنة، والحرس الثوري ما زال يتمتع بمواقع قوية، كما أن التفسيرات التي تقدمها طهران لاتفاقها مع أمريكا توحي بأنها انتصرت في الحرب الأخيرة، وأنها ستبقى متمسكة بثوابتها السياسية والدينية.
وهذه كلها مؤشرات تدل على أن محاولات ترامب لنقل إيران من سكة الدولة الدينية التوسعية إلى سكة الدولة المدنية ذات الطابع الغربي ستصطدم بصخرة الأيديولوجيا الدينية التي تمثلها سلطة ولاية الفقيه.
فالتغيير في إيران لن يحدث على طريقة ترامب، رغم أن الجوائز التي ينوي تقديمها لطهران لا تقل عن تلك التي منحها أوباما لنظام ولاية الفقيه.
الاستنتاج الثاني
الاستنتاج الثاني الذي خرجت به بعد متابعتي الحثيثة لما يجري حول إيران هو أن الولايات المتحدة، التي شنت حربًا ضد إيران دون استشارة أحد من حلفائها العرب، تريد أن تلقي بأعباء تلك الحرب على دول الخليج العربي.
وفي هذا الإطار أدلى نائب الرئيس الأمريكي فانس بتصريح قال فيه إن الدول الخليجية ستكون الممول الرئيسي لصندوق إعمار إيران المزمع تأسيسه، والذي يفوق رأسماله ثلاثمائة مليار دولار.
فلا يكفي أن خسائر دول الخليج مجتمعة، جراء حرب ترامب، قد تجاوزت تريليون دولار، بل إن واشنطن، بدلًا من التفكير في تعويض دول الخليج، تسعى إلى تحميلها عبء إعادة إعمار إيران.
وبالتأكيد فإن ذلك يمكن أن يوسع الشرخ بين دول الخليج والإدارة الأمريكية.
الاستنتاج الثالث
يتعلق الاستنتاج الثالث بالصين.
رسميًا، لم تطفُ على السطح دلائل على مشاركة صينية مباشرة في الأزمة الإيرانية، لكن الصين كانت حاضرة في كثير من تفاصيلها.
فبكين كانت حاضرة عبر الوساطة الباكستانية، إذ إنه لولا تشجيع الصين للدور الباكستاني لما كانت إسلام آباد قد انخرطت في هذا الدور.
ويعود ذلك إلى أن بكين خسرت كثيرًا من إغلاق مضيق هرمز. فقد تضاعف عدد مصافي النفط الصينية الخاصة التي أغلقت، والتي كانت تعتمد بصورة رئيسية على النفط القادم من إيران ودول الخليج، كما تراجعت كميات السلع الصينية المرسلة إلى الأسواق الخليجية.
ولذلك دعمت الصين الوساطة الباكستانية بهدف التسريع في إعادة فتح مضيق هرمز.
يضاف إلى ذلك أن الصين قدمت، بحسب ما يتردد، دعمًا سريًا لطهران أثناء الحرب، وهو أمر ناقشه ترامب خلال زيارته الأخيرة إلى بكين، وحصل على وعد بعدم تقديم أسلحة صينية لإيران.
وبكل الأحوال، هناك علاقات عميقة بين طهران وبكين، كما يوجد اتفاق تعاون استراتيجي بين البلدين يمتد خمسةً وعشرين عامًا. والأهم من ذلك أن تقارب المواقف الإيرانية والصينية تجاه واشنطن يمثل أرضية قوية للتعاون الثنائي.
ورغم ذلك كله، تتخذ الحكومة الصينية موقفًا حذرًا ومتوجسًا من مسألة رفع العقوبات عن إيران. فبكين كانت المستفيد الأكبر من العقوبات الأمريكية على طهران، إذ دفعت تلك العقوبات الحكومة الإيرانية إلى بيع نفطها سرًا وبأسعار منخفضة للصين.
كما أن الشركات الصينية موجودة بقوة داخل إيران رغم العقوبات، فضلًا عن أن السوق الإيرانية كانت ممتلئة بالسلع الصينية.
وتجعل هذه العوامل كلها من الصين أحد الأطراف الخاسرة من رفع العقوبات الأمريكية عن إيران.
ونتيجة لذلك، تراقب بكين بقلق الاتفاق الأمريكي الإيراني، كما تخشى انتقال إيران من الفلك الصيني إلى الفلك الأمريكي، وهو ما يكفي لاتخاذ مواقف حذرة تجاه أي تقارب أمريكي إيراني محتمل.
الاستنتاج الأخير
يتعلق الاستنتاج الأخير بإسرائيل.
فالتحالف الاستراتيجي القائم مع الولايات المتحدة، والعلاقات الحميمة بين نتنياهو وترامب، لم يمنعا المسؤولين الإسرائيليين من التعبير علنًا عن سخطهم من الاتفاق الأمريكي الإيراني.
بل إن وزراء أساسيين في الحكومة الإسرائيلية أطلقوا تصريحات غير مألوفة حملت نبرة تحدٍّ واضحة لترامب، من قبيل أن إسرائيل لن تتقيد ببنود الاتفاق، وأنها ليست من «جمهوريات الموز»، وأنها دولة ذات سيادة تتخذ قراراتها بنفسها.
وهي تصريحات تُعد تحديًا صريحًا لسياسة البيت الأبيض تجاه إيران.
فماذا يعني ذلك؟
إنه يعني أن إسرائيل لن توقف محاولاتها الرامية إلى نسف اتفاق ترامب مع طهران، وأن اللوبي الإسرائيلي سيتحرك بنشاط مضاعف داخل الولايات المتحدة لمواجهة الاتفاق المذكور.
وهذه صعوبات لم يكن الرئيس ترامب يتوقعها.
خاتمة
هناك كثير من العقبات أمام تنفيذ الاتفاق المذكور، كما توجد جهات عديدة تسعى إلى تخريبه. وأعتقد أن هذه العوامل تقف وراء الكتمان الذي يلف مضمون ذلك الاتفاق حتى اليوم.
فبنظر ترامب، يشبه الاتفاق طفلًا وليدًا يحتاج إلى رعاية خاصة وحماية من كثير من الذئاب التي تنتظره وفي مقدمتها نتنياهو
*الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة موقف الموقع
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

