القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
أدرك النظام الأسدي منذ وقت مبكر أن وجود سلطة قضائية قوية ومستقلة يشكل قيداً حقيقياً على السلطة التنفيذية، ولذلك عمل، طوال عقود، على إضعاف استقلال القضاء وتقليص دوره، من خلال مجموعة من السياسات والإجراءات، من أبرزها:
إضعاف استقلال السلطة القضائية من خلال ربط مجلس القضاء الأعلى بالسلطة التنفيذية، وترؤس وزير العدل له.
تقليص الولاية القضائية من خلال اللجوء إلى حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وإنشاء محاكم استثنائية انتُزعت منها، أو أُبعدت عنها، الكثير من القضايا التي كان يفترض أن تكون من اختصاص القضاء العادي.
التعامل مع القاضي بوصفه موظفاً في الدولة أكثر من كونه صاحب ولاية قضائية، بما أضعف مكانة القضاء واستقلاله.
الإبقاء على أعداد القضاة في مستويات لا تتناسب مع حجم السكان وحجم العمل القضائي، الأمر الذي أدى إلى تراكم الملفات وإرهاق القضاة وإطالة أمد التقاضي، وهي بيئة يمكن أن تؤثر سلباً في جودة العدالة وتزيد من مخاطر الانحراف الوظيفي.
ومن هنا، فإن الحديث عن القضاء السوري اليوم لا ينبغي أن يقتصر على تعديل القوانين أو إعادة تنظيم المؤسسات، وإنما يجب أن يبدأ أيضاً من سؤال عملي أساسي:
كم نحتاج من القضاة لبناء سلطة قضائية قادرة على القيام بمهامها بكفاءة؟
وأؤكد منذ البداية أنني لا أتحدث هنا عن إصلاح السلطة القضائية أو إصلاح المنظومة القانونية؛ فذلك يحتاج إلى دراسة مستقلة ومتكاملة، وإنما أتناول في هذه الورقة جانباً محدداً، هو الاحتياجات العددية للقضاة بما يتناسب مع عدد السكان وحجم العمل والمرحلة التي تمر بها سورية.
أولاً: ما المعيار العلمي لعدد القضاة؟
لا يمكن تحديد العدد المناسب للقضاة في أي دولة اعتماداً على عدد السكان وحده، وإنما ينبغي أن تقوم المعادلة على مجموعة من العناصر المتداخلة، أهمها:
الاحتياج القضائي = عدد السكان + حجم الدعاوى + نوع الدعاوى والجرائم + عدد المحاكم واختصاصاتها + متوسط إنتاجية القاضي + التوزيع الجغرافي + عدد الموظفين المساندين + الظروف القضائية الاستثنائية.
وقد استأنست، في تقدير أولي، بدراسات ومؤشرات دولية تتعلق بنسبة عدد القضاة إلى عدد السكان، ومن بينها:
ألمانيا: نحو 24.7 قاضياً لكل مئة ألف نسمة.
تركيا: نحو 17.4 قاضياً لكل مئة ألف نسمة.
وبحسب التقديرات المتداولة، يبلغ عدد القضاة في سورية حالياً نحو 2000 قاضٍ، في حين يتجاوز عدد السكان السوريين 25 مليون نسمة.
وهذا يعني أن نسبة القضاة تبلغ تقريباً:
8 قضاة لكل مئة ألف نسمة.
وهي نسبة تبدو منخفضة جداً عند مقارنتها بالمؤشرات المذكورة، مع ضرورة التأكيد أن المقارنة الدولية لا تعني بالضرورة نقل نموذج دولة إلى أخرى؛ لأن لكل دولة نظاماً قضائياً، وحجماً مختلفاً من الدعاوى والجرائم، وطبيعة مختلفة لمؤسسات العدالة فيها.
ثانياً: كم تحتاج سورية في الظروف الطبيعية؟
إذا أخذنا بالاعتبار عدد السكان وحجم العمل المتوقع، فإن سورية قد تحتاج، بصورة أولية، إلى ما بين:
5000 و6000 قاضٍ بمختلف الدرجات والاختصاصات،
وهذا يعني ما يقارب:
20 ـ 24 قاضياً لكل مئة ألف نسمة.
وهو نطاق يقترب من المؤشرات الدولية المذكورة، من دون أن يعني ذلك أن هذه النسبة تمثل معياراً نهائياً أو ملزماً لسورية.
ثالثاً: المرحلة الانتقالية تحتاج إلى عدد أكبر
لكن المشكلة السورية لا تشبه ظروف دولة تعمل في حالة طبيعية.
فسورية تدخل مرحلة انتقالية وهي تحمل إرثاً قضائياً ضخماً من القضايا والملفات المرتبطة بمرحلة النظام السابق، إضافة إلى الجرائم والانتهاكات التي وقعت خلال سنوات النزاع، وملفات الفساد ونهب المال العام والجرائم المنظمة والقتل والتعذيب والاختفاء القسري، وغيرها من القضايا التي تحتاج إلى معالجة قانونية وقضائية.
وهذا يعني أن الاحتياج القضائي السوري خلال المرحلة الانتقالية سيكون، بطبيعة الحال، أكبر من الاحتياج في الظروف العادية.
وهنا تبرز بصورة خاصة الحاجة إلى زيادة أعداد قضاة التحقيق وأعضاء النيابة العامة، لأن القضايا الجنائية الخطيرة لا تبدأ بالمحاكمة، وإنما تبدأ بمرحلة تحقيق دقيقة تتطلب:
جمع الأدلة وحفظها.
سماع الشهود.
استجواب المشتبه بهم.
إجراء الخبرات اللازمة.
تحديد المسؤوليات الفردية.
التحقيق في تسلسل الأوامر والمسؤولية عن إصدارها وتنفيذها.
تحديد صلة كل متهم بالفعل الجرمي.
منع ضياع الأدلة أو العبث بها.
توثيق الوقائع بما يسمح بإحالتها إلى المحاكمة على أساس قانوني سليم.
ومن هنا، فإن إعادة بناء العدالة في سورية تبدأ من قضاة التحقيق والنيابة العامة، قبل أن تصل القضية إلى منصة المحاكمة.
وبناءً على هذه الاعتبارات، يمكن تقدير الحاجة الانتقالية بصورة أولية بزيادة تتراوح بين:
1000 و1500 قاضٍ وعضو نيابة عامة إضافي.
وبذلك قد يصل العدد الإجمالي المطلوب خلال المرحلة الانتقالية، بصورة تقريبية، إلى:
6000 ـ 7500 قاضٍ بكافة درجات التقاضي.
وهذا الرقم ليس رقماً نهائياً، ولا ينبغي التعامل معه باعتباره رقماً مقدساً، وإنما هو تقدير تخطيطي أولي يحتاج إلى تدقيق من خلال مسح وطني شامل يحدد حجم القضايا الفعلية، وتوزيعها الجغرافي، وأنواعها، وعدد المحاكم، ومتوسط إنتاجية القاضي، وحجم القضايا المتراكمة، والاحتياجات الخاصة بالمرحلة الانتقالية.
رابعاً: كيف يمكن الوصول إلى العدد المطلوب؟
لا يمكن تحقيق هذا العدد من خلال قناة واحدة، وإنما ينبغي اعتماد عدة مسارات متوازية:
المسار الأول: الاستمرار في تخريج القضاة من المعهد القضائي
وهو المسار الطبيعي والأساسي لإعداد القضاة، لأنه يتيح اختيار القضاة وفق معايير موحدة من الكفاءة والنزاهة والتأهيل القانوني.
المسار الثاني: الاستفادة من المحامين وأساتذة القانون ذوي الكفاءة
يمكن الاستفادة من الخبرات القانونية الموجودة خارج الجسم القضائي، ولا سيما المحامين أصحاب الخبرة والكفاءة وأعضاء هيئة التدريس في كليات الحقوق، وفق الضوابط والشروط التي يحددها القانون.
وفي هذا السياق، يمكن الاستفادة من المادة 72 من قانون السلطة القضائية، التي تتيح، وفق شروط محددة، تعيين بعض المحامين وأعضاء هيئة التدريس في كليات الحقوق في السلك القضائي.
وهذا المسار يمكن أن يوفر للقضاء السوري، خلال المرحلة الانتقالية، خبرات قانونية جاهزة، بدلاً من انتظار سنوات طويلة حتى يتم تأهيل أعداد كبيرة من القضاة الجدد.
المسار الثالث: تأهيل القضاة الموجودين
لا يكفي زيادة العدد، بل يجب الاستثمار في القضاة الموجودين من خلال برنامج مستمر للتأهيل والتدريب، يتناول التطورات التشريعية والقضائية، وأساليب التحقيق الحديثة، والجرائم المستحدثة، والجرائم المنظمة، والجرائم المالية، والفساد، وحقوق الإنسان، وضمانات المحاكمة العادلة.
المسار الرابع: تفعيل التفتيش القضائي
إن زيادة عدد القضاة يجب أن تترافق مع تنقية الجسم القضائي من القضاة الذين يثبت عدم صلاحيتهم للاستمرار في ممارسة العمل القضائي، وفق القانون وضمانات المساءلة المسلكية العادلة.
فالمطلوب ليس مجرد زيادة عدد القضاة، وإنما بناء جسم قضائي كفؤ ونزيه ومستقل.
خامساً: القاضي وحده لا يصنع العدالة
من الأخطاء النظر إلى الاحتياجات العددية للقضاء باعتبارها احتياجات للقضاة فقط.
فالقاضي لا يستطيع أداء عمله بكفاءة من دون جهاز إداري وفني مؤهل يعمل إلى جانبه، ولذلك فإن أي خطة لزيادة عدد القضاة يجب أن تترافق مع زيادة وتأهيل الكادر المساند، ومنه:
رؤساء الدواوين.
الكتبة.
المحضرون.
موظفو الديوان.
موظفو الأرشفة وحفظ الملفات.
موظفو تقنية المعلومات.
موظفو التنفيذ.
كتاب العدل.
الخبراء والمترجمون عند الحاجة.
وسائر الكوادر الإدارية والفنية اللازمة للعمل القضائي.
فليس من المنطقي أن نعيّن قاضياً جديداً ثم نضع أمامه عشرات الملفات من دون كاتب أو محضر أو موظف أرشفة أو نظام معلومات يساعده في أداء عمله.
وأخيراً: العدد ليس هو الهدف
القضاء القوي ليس هو القضاء الذي يضم أكبر عدد من القضاة، وإنما القضاء الذي يستطيع أن يحقق ثلاث معادلات في وقت واحد:
عدالة جيدة + مدة معقولة + استقلال حقيقي.
فالزيادة العددية ضرورية عندما يكون هناك نقص، لكنها لا تكفي وحدها.
وقد يكون لدينا آلاف القضاة، ومع ذلك يبقى القضاء ضعيفاً إذا كان القاضي غير مستقل، أو إذا كانت إجراءات التقاضي معقدة، أو إذا كانت المحاكم تفتقر إلى الموظفين والتجهيزات، أو إذا غابت الرقابة والمساءلة.
لذلك فإن تحديد الاحتياجات العددية يجب أن يكون نقطة البداية في مشروع أوسع لإعادة بناء السلطة القضائية السورية، وليس نهايته.
إن سورية الجديدة تحتاج إلى قضاء يستطيع أن يحقق العدالة، لا إلى مجرد قضاء كثير العدد.
(موقع اخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

