بقلم: مالك صقور
في روايته الشهيرة “الحرب والسلم”، يتساءل الكاتب الروسي ليف تولستوي: «لماذا اقتتل ملايين البشر وقتل بعضهم بعضًا، بينما يعلم كل واحد منهم أن هذا الاقتتال وهذا القتل شرٌّ روحًا وجسدًا؟». ويجيب قائلًا: «لقد اقتتلوا وقتلوا لأن الاقتتال والقتل أمران لا مفر منهما، فكانوا حين يقتتلون إنما يخضعون لذلك القانون الأولي الذي يخضع له عالم الحيوان».
هنا يتجلى الصراع الأزلي بين العقل والغريزة. فبعد كل هذا التقدم العلمي والتطور الهائل في مختلف المجالات، ما زالت البشرية تعاني تخلفًا أخلاقيًا يتمثل في السماح بالحروب والإبادات الجماعية والعرقية، والعودة إلى منطق الغاب كلما تعارضت المصالح أو اشتدت الصراعات.
لقد خاب أمل كثير من سكان الكرة الأرضية مع بداية هذا القرن، وهم الذين وُعدوا بعصر الانفراج والعولمة والانفتاح و«نهاية التاريخ» التي قيل إنها ستغير وجه العالم نحو الأفضل. غير أن الأحداث سرعان ما كشفت أن التاريخ لم ينتهِ، وأن وعود الرخاء والعولمة انقلبت في كثير من الأحيان إلى واقع أكثر قسوة ووحشية.
*دروس لم تتعلمها البشرية
لم تتعلم البشرية من دروس القرن العشرين، ذلك القرن الذي شهد حربين عالميتين مدمرتين راح ضحيتهما أكثر من ثمانين مليون إنسان، فضلًا عن ملايين المصابين والمعوقين والمشردين، إضافة إلى مأساة هيروشيما وناغازاكي، والحرب الباردة التي قسمت العالم إلى معسكرين متواجهين لعقود طويلة.
كما أن سقوط الأنظمة الشيوعية وتفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية وحلف وارسو لم يؤدِّ إلى قيام عالم أكثر عدالة كما توقع كثيرون، بل أسهم في إعادة تشكيل موازين القوى العالمية بصورة مختلفة.
*عالم القطب الواحد
مع هيمنة القطب الواحد على الساحة الدولية، انفردت قوة واحدة إلى حد بعيد بالتأثير في مقدرات العالم ومساراته السياسية والعسكرية، فشهد العالم حروبًا وتدخلات أعادت رسم خرائط ومصائر شعوب بأكملها.
وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، جاء الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بوصفه محطة مفصلية في تاريخ المنطقة والعالم. فقد ترك آثارًا عميقة على الدولة العراقية ومؤسساتها ومجتمعها، وأسهم في تصاعد الانقسامات الداخلية، كما أثار جدلًا واسعًا حول احترام القانون الدولي ودور المؤسسات الدولية في إدارة النزاعات العالمية.
*مفارقة العصر
يمكن القول إن البشرية تعيش اليوم مفارقة بالغة التعقيد؛ فبينما نشهد تطورًا غير مسبوق في العلوم والتكنولوجيا وثورة المعلومات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، فإننا نشهد في الوقت نفسه:
• حروبًا أكثر تدميرًا واتساعًا.
• اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم.
• عودة مظاهر العنصرية والطائفية والتعصب بأشكال مختلفة.
• تحوّل الإنسان في كثير من الأحيان إلى مستهلك محاصر بضغوط الأسواق وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا في دول العالم النامي.
وإلى جانب مخاطر الحروب والصراعات والتحديات البيئية والاقتصادية التي تواجه كوكب الأرض، تتزايد التساؤلات حول مستقبل النماذج الفكرية والسياسية السائدة.
فالديمقراطية، كما تُمارس في بعض التجارب المعاصرة، لم تعد تقنع الجميع. كما أن أحلام العدالة الاجتماعية والمساواة التي بشرت بها بعض الأيديولوجيات لم تحقق وعودها كاملة، في حين لم تتمكن الليبرالية الاقتصادية وحدها من ضمان العدالة أو الحد من الفوارق الاجتماعية المتزايدة.
*الإنسان بين العلم والضمير
لقد وقف الإنسان عبر تاريخه مرارًا على حافة الهاوية، ثم أعاد اكتشاف حاجته إلى العقل والحكمة. فالمشكلة ليست في العلم ذاته، بل في الضمير الذي يوجه العلم ويوجه العلماء. والمشكلة ليست في التقدم الحضاري، بل في غياب العدالة وسوء استخدام أدوات القوة.
ومن هنا يمكن القول إن الإنسان دخل القرن الحادي والعشرين بعقل علمي وإلكتروني مذهل، لكنه ما زال يحمل في داخله كثيرًا من غرائز العصور البدائية.
ولهذا يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم ليس: إلى أين تتجه البشرية؟
بل: هل تستطيع البشرية أن تنقذ إنسانيتها قبل فوات الأوان
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
