آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » اللامنتمي..!

اللامنتمي..!

 

 

بقلم:مالك صقور

 

منذ ربيع دمشق 2000-2001، والأحاديث تدور عن الحرية، والانفتاح الفكري والسياسي، والاستبداد، واحتكار السلطة، وعن الوطنية، وعن الوطني وغير الوطني، وعن الموالاة والمعارضة، وعن الذين يدّعون الحياد أو الاستقلالية، وعن الفساد ومحاربة الفساد، وعن المصطلح ذائع الصيت: «اللامنتمي»، فريق آخر، أو فئة من الناس، هؤلاء من جماعة: «فخار يكسّر بعضه».. أي، لا يهمهم في هذه الدنيا سوى مصلحتهم الشخصية.

 

أما الذين يهتمون بالشأن العام، ويهتمون بأمور السياسة، فهم متحزبون، أي ينتمون إلى أحزاب مختلفة التوجه والأهداف، ومنهم من يهتم بالشأن العام والسياسة ولا ينتمي إلى أي حزب.

 

ولكن، ماذا عن اللامنتمي ذائع الصيت هذا؟ والذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع، سمعتُ زملاء في «أحاديث طرطوس» يتحدثون عن انكفاء الناس عن الاهتمام بالشأن العام أو السياسة، والأصح القول: النأي بالنفس عن أي نشاط أو حراك اجتماعي، وحتى المشاركة بأي نشاط ثقافي.. فما تفسير هذه الظاهرة؟ هل هو خوف؟ أم لامبالاة؟ أم الانشغال بلقمة العيش؟ أم بسبب الخيبات الكبرى والصغرى؟

 

في الجواب أقول: حتماً هناك سبب، وربما أسباب. وأسمح الآن لنفسي أن أروي هذه الحادثة، قبل المحاولة عن الإجابة:

 

قبل عقدين ونيف من الزمن، دُعيت للمشاركة بندوة عن «الرواية السورية والسياسة»، في المكتبة الوطنية في دمشق، وفي أثناء مداخلتي عن السياسة في الرواية السورية؛ تجرأت وقلت: يقول لينين: «إذا مضى خمسون عاماً على تأسيس حزب ما، ولم يحقق هدفاً واحداً من أهدافه، عليه: إما أن يحلّ نفسه، أو يعيد النظر بمشروعه ونظريته وأهدافه».

 

وتابعت قائلاً: هاكم أمثلة:

 

* الحزب الشيوعي السوري: تأسّس عام 1924. عوضاً عن تحقيق بعضٍ من أهدافه العريضة، انقسم إلى ثلاثة أقسام.

* الحزب القومي السوري الاجتماعي: تأسّس عام 1932، وأولى أهدافه هي قومية الأمة السورية، ووحدة بلاد الشام، أي سوريا الكبرى – يعني: لبنان وسوريا وفلسطين والأردن والعراق – بلدان الهلال الخصيب وقبرص نجمته. للأسف، صرنا نترحم على تقسيم سايكس بيكو. والحزب أيضاً انقسم، وتراجعت شعبيته.

* حزب البعث العربي الاشتراكي: هو الحزب الوحيد الذي استلم السلطة في قطرين متجاورين. في الثامن من شباط استلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1963، وفي الثامن من آذار، أي بعد شهر واحد، استلم حزب البعث السلطة في سوريا.

 

وهنا، يجب القول: أهداف هذا الحزب نفسه في القطرين الشقيقين المتجاورين هي: وحدة، حرية، اشتراكية.

 

فتأمل أيها القارئ العزيز: العراق هو الحديقة الخلفية لسوريا، وسوريا هي البستان الخلفي للعراق، مع الاشتراك بحدود طويلة، بالإضافة إلى دجلة والفرات، وباقي الآمال والآلام واللغة والتاريخ المشترك. ومع هذا، يا سيدي، كانت العداوة والعداء بينهما أكثر من العدو الصهيوني.

 

* حزب الإخوان المسلمين: تأسس في مصر عام 1928، وفي سوريا عام 1942، ويقال: 1945. دون الخوض في الشعارات والأهداف لهذه الجماعة، وفقاً لما جاء في «العهد والميثاق» – إقامة دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، وتحقيق العدالة والمساواة… أيضاً، لم يحقق الإخوان هدفاً واحداً من أهدافهم.

* الأحزاب الوحدوية والناصرية التي كانت منضوية في الجبهة الوطنية التقدمية: لم تحقق هدفاً واحداً. لكن يجب أن أسجل ملاحظة، وهي مهمة: بعد ضرب اليسار الحقيقي وتبعيته للسلطة، انحسر الفكر اليساري التقدمي، وحلّ محله الفكر الرجعي بأشكال مختلفة. وضربت أمثلة من الروايات التي تناولت موضوع السجون والسياسة.. صفق لي بعضهم بقوة، واعترض عليّ جماعة الجبهة الوطنية التقدمية.

 

ذكرت ذلك الآن كي أبرهن على خيبة الناس من الأحزاب، وأن هذه الحركات لم تُجدِ نفعاً، ولم تخدم المواطن مباشرة؛ فلا الاشتراكية تحققت، ولا الوحدة تمت، وأما الحرية فحدّث عنها ولا حرج.. هذا في رأيي هو السبب الأول.

 

السبب الثاني: لا يوجد دافع أو حافز يُشجّع على التحزب من جديد.

 

السبب الثالث: تطلعات ومتطلبات وأهداف ثلاثينات القرن الماضي غير متطلبات وحاجات وأهداف الربع الأول من القرن الواحد والعشرين.

 

السبب الرابع: كانت الشعارات في مكان، والممارسة الفعلية في مكان آخر.

 

السبب الخامس: انعدام المصداقية.

 

السبب السادس: فقدان الثقة.

 

السبب السابع: ضياع الهدف والعقيدة الجامعة.

 

السبب الثامن: فساد المسؤول، وغياب القائد القدوة.

 

السبب التاسع: عدوى الهجرة، والهروب من الواقع.

 

السبب العاشر: تفشي المخدرات، وانتشار الأركيلة بشكل مرعب، والمعسل الملغوم، الذي يؤدي إلى الإدمان.

 

السبب الحادي عشر: الفقر، وأحوال المعيشة الصعبة، والغلاء الفاحش، والعطالة والبطالة..

 

كل هذه الأسباب مجتمعة، وربما توجد أسباب أخرى، جعلت الناس، أكثرهم، ينكفئون وينعزلون، أو ينأون بأنفسهم عن أي حراك سياسي واجتماعي وحتى ثقافي.. ويقول: «ما في أمل بشيء». بعضهم يقول: «فخار يكسر بعضه».

 

ولكن لا بدّ من التفاؤل بالمستقبل من قبل كل وطني مخلص لوطنه وأرضه وشعبه، ويعمل متفانياً من أجل لمّ الشمل، وإقامة العدل وإنصاف الناس بتأمين عمل، والتسامح، وتكافؤ الفرص، والنهوض مثل طائر الفينيق من تحت الرماد.

 

والآن، أعود إلى اللامنتمي.

 

إن المواطن، كائناً من كان، إن كان منتسباً لحزب من الأحزاب أعلاه أو لم يكن منتسباً، أي لا منتمٍ لأي حزب، وهو يشاهد ويتفرج ويحلل ويروز التاريخ «النضالي» الحافل لهذه الأحزاب التي أخفقت إخفاقاً كلياً ونهائياً، على ماذا سيعوّل؟ وبمن يثق؟

 

هنا، يطرح سؤال نفسه: هل هذه الأوضاع، جملة وتفصيلاً، تذكّر بالمرحلة التي كتب فيها كولن ويلسون كتابه الشهير، وكما قلت: ذائع الصيت، «اللامنتمي»؟!

 

أقول أنا: نعم، إن أوضاع ما تُسمى بلدان العالم الثالث برمتها، وخاصة الوطن العربي، تشبه أوضاع منتصف خمسينات القرن الماضي بعد الحرب العالمية الثانية، عندما انتشرت موجة «الوجودية»، التي عبّرت أصدق تعبير عن روح التشاؤم والقنوط واليأس والسخط، بعد الهزيمة التي لحقت بالنازية والفاشية، أثناء الحرب وبعدها، جراء الصدمة والخيبة معاً.

 

الصدمة: من احتلال هتلر لبلدانهم، والخيبة: من الهزيمة الكبيرة التي لحقت بجيوشهم وحكوماتهم وسحق شعوبهم. عندها، وجد «المواطن» نفسه ضائعاً يتخبط في دوامة من الإحباط.

 

في هذا الجو، وفي هذه الأوضاع، كتب كولن ويلسون كتابه «اللامنتمي».

 

واللامنتمي هو ذلك الإنسان الذي لا ينتمي إلى حزب، ولا ينتمي إلى عقيدة ما، يقارب فيها من العدمية أحياناً، والبوهيمية حيناً آخر، أو النهلستية..

 

والآن، أعود وأكرر السؤال: هل أوضاعنا العامة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية والمعيشية، بعد خمس عشرة سنة من الحرب، ألا تشبه حال وأوضاع أوروبا في خمسينات القرن الماضي، يوم كتب كولن ويلسون كتابه «اللامنتمي»، الذي صوّر فيه حال الضياع والتشتت واليأس والإحباط؟! وأضيف: الفوضى التي عمت بعض بلداننا..

 

يقولون: إذا شخّص الطبيب الداء، صار من السهل وصف الدواء..

 

ويبقى السؤال الأهم: ما العمل؟

 

وهذا برسم الجميع، برسم كل من يهمه وضع الوطن. من أجل النهوض، ولكي يعود المواطن مرفوع الرأس، موفور الكرامة.

 

لأن كرامة الوطن من كرامة المواطن

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التشخيص نصف الحل

    سمير حماد   لماذا عجز المثقف العربي عن تشخيص المشكلة الطائفية والإثنية التي تتعرض لها الساحة العربية والمجتمع العربي، أو قاربها بخجل؟   ...