آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » التنقيب عن الكنوز.. أوهام الثراء السريع تستنزف مدخرات الباحثين وتهدد التراث الوطني

التنقيب عن الكنوز.. أوهام الثراء السريع تستنزف مدخرات الباحثين وتهدد التراث الوطني

هنادة سمير

انتقل البحث عن الذهب أو الكنوز، خلال الفترة الأخيرة، من مجرد روايات شعبية متداولة في القرى والأرياف، إلى نشاط شبه علني تُباع لأجله أجهزة كشف المعادن عبر الإنترنت وفي بعض المحال داخل المدن، وباتت تُوصف هذه الحالة بـ”حمّى البحث عن الدفائن”، في ظل ضعف الرقابة الصارمة، وتراجع فرص العمل، وانتشار قصص عن ثروات مدفونة تعود إلى عصور رومانية وعثمانية وغيرها.

هذه الظاهرة، التي تتغذى من جهة على الفقر، ومن جهة أخرى على الخيال الشعبي والأساطير المتوارثة، دفعت كثيرين إلى المخاطرة بأموالهم ومدخراتهم، بل وحتى بيع ممتلكاتهم أو الاقتراض، في سبيل دخول عالم “التنقيب” الذي يبدو للبعض بوابة للثراء السريع، لكنه في الواقع غالباً ما ينتهي بخسائر مادية كبيرة، ومخاطر جسدية، وأحياناً ملاحقات قانونية.

في هذا السياق، تروي مها صبحي، من ريف دمشق، تجربتها لـ”الثورة السورية”، والتي بدأت، كما تقول، بحلم رأته في منامها عن وجود كنز مدفون في منزل مهجور في قريتها، ليتحول الحلم تدريجياً إلى مشروع حقيقي شارك فيه جميع أفراد العائلة.

وتقول مها إنها جمعت، مع أخواتها وأفراد من عائلتها، مدخراتهم لشراء جهاز كشف معادن بلغت قيمته نحو 3 آلاف دولار، جرى شراؤه من أحد المحال التي تبيع هذه الأجهزة بشكل علني في دمشق.

وتضيف أن الحماس كان كبيراً لدرجة أن أحد أفراد العائلة باع أرضه الزراعية، فيما لجأ آخر إلى الاقتراض من أقاربه، بينما دفعت هي كل ما ادخرته من عملها الموسمي في أحد المصانع، وكان الجميع، بحسب روايتها، مقتنعين بأنهم على وشك الوصول إلى “كنوز رومانية ودفائن ذهبية” مدفونة تحت منزل مهجور.

لكن الواقع كان مختلفاً تماماً؛ فقد بدأت عمليات الحفر التي استمرت ليلاً ونهاراً، وتحول الموقع من حفرة صغيرة إلى فجوة عميقة وصل عمقها إلى نحو خمسة أمتار، بينما كان الجهاز يطلق إشارات متكررة تبيّن لاحقاً أنها تشير إلى عظام حيوانات أو حتى أسلاك نحاسية، دون أي أثر للذهب أو الكنوز التي حلموا بها.

ويؤكد سالم الخطيب، وهو حفّار عمل في هذا المجال لمدة عامين، أن الظاهرة باتت واسعة الانتشار، إذ يقدم البعض على شراء أجهزة بأسعار تصل إلى 2500 دولار، ثم يستعينون بعمال للحفر مقابل أجور يومية.

ويقول: “أعمل يومياً من الصباح حتى المساء مع مجموعة من العمال مقابل 150 ألف ليرة سورية، ولم نعثر على الذهب ولو مرة واحدة، بل مجرد بقايا معدنية لا قيمة لها.”

ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في أن هذه الأجهزة لا تميّز بين أنواع المعادن، وأن الإشارات التي تصدر عنها غالباً ما تكون مضلِّلة، لكن الدافع الحقيقي للاستمرار، كما يوضح، هو غياب فرص العمل، الذي يدفع كثيرين إلى التمسك باحتمال وجود كنز قد يغيّر حياتهم.

جريمة بحق المال العام

من الناحية القانونية، لا ينظر القانون السوري إلى هذه الممارسات بوصفها أنشطة فردية بسيطة، بل يضعها ضمن إطار الجرائم التي تمس المال العام والتراث الوطني، فالكنوز والآثار تُعد ملكاً للدولة والشعب، وأي تنقيب عنها دون ترخيص يُعد مخالفة صريحة للقانون.

وبحسب قانون الآثار السوري رقم 222 لعام 1963، فإن التنقيب غير المشروع يعرّض مرتكبيه لعقوبات تبدأ بالحبس والغرامة المالية، إضافة إلى مصادرة الأدوات المستخدمة في الحفر، وكذلك أي لُقى أثرية يتم العثور عليها.

وفي بعض الحالات، قد تصل العقوبات إلى الأشغال الشاقة، لا سيما إذا ارتبطت عمليات التنقيب بجرائم أخرى، مثل التهريب أو الاتجار غير المشروع بالآثار.

كما يشدد القانون على أن العقوبات تصبح أكثر صرامة في حال وقوع التنقيب ضمن مواقع أثرية مسجلة رسمياً لدى المديرية العامة للآثار والمتاحف، إذ لا يقتصر الضرر هنا على فقدان قطعة أثرية، ويمتد إلى الإضرار بالتراث التاريخي بأكمله.

وينص القانون رقم 26 لعام 2009 الخاص بالثروات المعدنية على أن جميع المعادن، بما فيها الذهب، تُعد ملكاً عاماً للدولة، حتى لو وُجدت ضمن أراضٍ خاصة، ولا يحق لأي شخص أو جهة القيام بأعمال التنقيب أو الاستثمار دون ترخيص رسمي.

وتشمل العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون السجن والغرامات ومصادرة الأجهزة، مع تشديد العقوبة في حال التكرار أو التسبب بأضرار في الثروة المعدنية.

كيف يُباع الوهم؟

من الناحية العلمية، يوضح رئيس قسم الجيولوجيا في كلية العلوم بجامعة دمشق، الدكتور معتصم القادري، أن وجود كنوز مدفونة تعود إلى حضارات سابقة ليس أمراً مستبعداً بالكامل، إذ تشير بعض الدلائل إلى وجود آثار تعود إلى العهد العثماني وما قبله، وقد عُثر على بعضها بشكل عرضي أثناء أعمال الحفر أو البناء.

إلا أن القادري يميّز بوضوح بين الحقائق العلمية وما يُتداول بين عامة الناس، مؤكداً أن معظم الأجهزة المتداولة في الأسواق أو عبر الإنترنت لا تستند إلى أسس علمية دقيقة، وأن كثيرًا منها يُروَّج له تجارياً بعيداً عن أي إشراف علمي.

ويشرح أن الأجهزة الجيوفيزيائية المعتمدة علمياً تقوم على إرسال تيارات كهربائية إلى باطن الأرض، ما يؤدي إلى تحريض في الطبقات الجيولوجية، وعند وجود معدن معين يتم تسجيل إشارة انعكاسية تعود إلى الجهاز.

لكن المشكلة، بحسبه، أن هذه الأجهزة لا تميّز بين أنواع المعادن، سواء كانت أثرية أو خامات طبيعية أو حتى شوائب داخل الصخور، وبالتالي فإن أي إشارة لا تعني بالضرورة وجود كنز أو ذهب.

ويضيف أن الادعاءات التي تتحدث عن أجهزة قادرة على تحديد نوع المعدن أو حجمه أو عمقه بدقة متناهية، أو تلك التي يُروَّج لها بأنها تعتمد على الأقمار الصناعية لرصد كميات صغيرة مدفونة على أعماق محددة، لا تستند إلى أساس علمي مثبت، وتندرج في معظمها ضمن حملات تسويقية مضللة.

كما يشير إلى أن بعض الخرائط أو الإشارات التي يتداولها الناس لا يمكن تفسيرها علمياً بشكل دقيق، ورغم أن بعض الرموز أو النقوش قد تعود إلى حضارات قديمة، فإنها لا تشكّل دليلاً مباشراً على وجود كنوز.

ويؤكد القادري أن المشكلة لا تقتصر على الجانب التقني فحسب، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي، حيث يدفع اليأس الاقتصادي بعض الأفراد إلى تصديق أي احتمال، مهما كان ضعيفاً، في ظل غياب فرص العمل.

ويضيف أن بعض الأجهزة قد تعطي إشارات خاطئة نتيجة وجود شوائب معدنية في التربة، ما يقود إلى عمليات حفر غير مجدية، تنتهي بخسائر مادية وجهد مهدور.

ويحذر من أن الخطر لا يقتصر على ضياع المال، إنما يتعداه إلى تحوّل هذه الظاهرة إلى ثقافة قائمة على الوهم، خاصة عندما ترتبط بخرافات أو ممارسات شعوذة، تدفع بعض الأشخاص إلى التمسك بالأمل رغم تكرار الفشل.

ويشير القادري إلى أن الأجهزة المتداولة في الأسواق، رغم تنوعها واختلاف منشئها بين شركات أمريكية وأوروبية وغيرها، تبقى في الغالب أجهزة تجارية لا تخضع لرقابة علمية دقيقة، ويتم تسويقها من قبل غير مختصين.

ويقول إن المواطن، تحت ضغط الحاجة والأمل، قد ينفق آلاف الدولارات على جهاز واحد أملاً في تحقيق ثروة تغيّر حياته، لكنه في الواقع يدخل في دائرة مغلقة من التجربة والخطأ دون نتائج ملموسة.

ويضيف أن فكرة استخدام الأقمار الصناعية لتحديد مواقع كنوز صغيرة مدفونة على أعماق محددة، مثل جرار ذهبية أو كميات محدودة، لا تزال غير واقعية علمياً في الظروف الحالية.

فوضى التنقيب.. حين تغيب الرقابة

من جانبه، بيّن أيمن النابو، مدير التنقيب والدراسات الأثرية في المديرية العامة للآثار والمتاحف بوزارة الثقافة، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن ظاهرة التنقيب العشوائي والحفر السري غير الشرعي شهدت انتشاراً واسعاً خلال العام الماضي، لأسباب متعددة، أبرزها الظروف التي مرت بها البلاد.

وأضاف أن عمليات التنقيب شهدت تراجعاً نسبياً خلال الأشهر الماضية، نتيجة التنسيق مع الجهات الأمنية، وضبط بعض المناطق، وملاحقة المنقبين بناءً على بلاغات، لا سيما في المناطق التي تتوافر فيها فرق مراقبة للمواقع الأثرية.

وأوضح أن المناطق الشرقية من سوريا تُعد حالياً من أبرز المناطق التي تتزايد فيها عمليات التنقيب، مشيراً إلى أن هذه المناطق لا تزال في مرحلة إعادة الهيكلة من حيث نشر الحراس، وتعزيز التنسيق الأمني، وترتيب الأولويات، وصولاً إلى مستوى متقدم من الحماية والإدارة.

وفيما يتعلق بحجم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية، أشار إلى أنه لا يوجد حتى الآن تقييم دقيق لحجم الضرر الناتج عن أعمال التنقيب السري والعشوائي، إلا أن نسبة كبيرة من المواقع تعرضت بالفعل لأعمال تنقيب، مع تفاوت حجم الضرر من موقع إلى آخر.

وأضاف أن الضرر لا يقتصر على استخراج القطع الأثرية وفقدان هذه الشواهد التاريخية من مواقعها الأصلية، حيث يشمل تخريب الطبقات والسويات الأثرية داخل الموقع، ما يبدّد فرصة الباحثين مستقبلاً في دراسة هذه المواقع واستكشافها بطريقة علمية ومهنية.

وفيما يتعلق برصد الظاهرة واستعادة القطع الأثرية المستخرجة نتيجة الحفر العشوائي، أوضح أن أعمال التنقيب تُرصد من خلال المراقبين في المواقع الأثرية، مشيراً إلى تشكيل شعبة خاصة بالمصادرات بالتنسيق مع الجهات الأمنية، تتولى مصادرة القطع الأثرية وتسليمها رسمياً لدراستها والتعامل معها وفق الأطر القانونية المعتمدة في المديرية العامة للآثار والمتاحف، قبل نقلها إلى مستودعات المتاحف لإعداد الدراسات اللازمة وتنظيم قيود إدخال نظامية لها.

وأكد أن المديرية العامة وفروعها تتعامل مع البلاغات بالتنسيق مع الجهات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، بهدف التدخل السريع ووقف هذه التعديات، سواء كانت عمليات تنقيب سري أو غيرها، إضافة إلى مصادرة الأجهزة والآليات المستخدمة في البحث عن الكنوز والدفائن.

وحول آلية التعامل مع بلاغات التنقيب غير المشروع، أوضح النابو أنه يتم تنظيم الضبوط اللازمة، وتكون المديرية جهة ادعاء بصفتها الاعتبارية، فيما يُحال المخالفون إلى القضاء وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، مشيراً إلى أن مستوى التنسيق مع وزارة الداخلية والأمن الداخلي مرتفع، بما يسهم في الحد من هذه الظاهرة.

وبيّن أن هناك مقترحاً لتعديل قانون الآثار بما يتماشى مع المرحلة الجديدة والرؤية المستقبلية لسوريا، على أن يستمر العمل بالقانون الحالي إلى حين إقرار التعديلات الجديدة وتطبيقها عبر المحاكم المختصة.

وتواجه المديرية جملة من التحديات، أبرزها نقص الكوادر البشرية، ولا سيما الحراس، إلى جانب ضعف الإمكانات اللوجستية، إذ يعاني أسطول السيارات من التهالك وخروج معظمه عن الخدمة، ما ينعكس سلباً على عمليات الحماية والجولات الميدانية في المواقع الأثرية.

كذلك، أوضح النابو أن المديرية العامة وجّهت الدوائر الفرعية لإطلاق حملات توعية بأهمية الممتلكات الثقافية في سوريا وضرورة الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال القادمة، إلا أن هذه المبادرات لا تزال محدودة، مع وجود خطط لإطلاق حملات أوسع على مستوى البلاد، بمشاركة جهات حكومية أخرى، مثل وزارتي السياحة والإعلام، بهدف تعزيز ثقافة حماية المواقع الأثرية.

ويرى النابو أن الوعي المجتمعي بقيمة الآثار في سوريا لا يزال مرتفعاً، إلا أن الظروف التي مرت بها البلاد، إلى جانب الفقر وقلة فرص العمل، أثّرت سلباً على هذه المواقع، خاصة مع انتشار شائعات حول تجارة الآثار وتحقيق أرباح كبيرة منها.

وختم بالتأكيد على أن الجهود تتجه نحو تحسين الواقع، وأن مكافحة هذه الظاهرة تمثل أولوية لمديرية الآثار والمتاحف، بالتنسيق مع الجهات المعنية، من خلال مسارين متوازيين: الأول توعوي يركز على حماية المواقع الأثرية وتعزيز التعاون مع المجتمع المحلي ومنظمات المجتمع المدني، والثاني قانوني وأمني يهدف إلى تشديد الرقابة وتفعيل الإجراءات القضائية، بما يضمن حماية أفضل وإدارة أكثر كفاءة للتراث في المستقبل.

محاصرة أجهزة الوهم

في محاولة لضبط هذا الواقع، أصدرت وزارة الاقتصاد والصناعة، مطلع عام 2025، قرارًا يقضي بحصر استيراد أجهزة كشف المعادن بالجهات الحكومية فقط، مع إلزام أي جهة ترغب باستخدامها بالحصول على موافقة مسبقة من وزارة الداخلية.

ويؤكد الخبير الاقتصادي عبد الرزاق حبزة، أن الثروات الباطنية تُعد حقاً عاماً لجميع السوريين، ولا يحق استخراجها إلا عبر الجهات الحكومية المختصة، مشيراً إلى أنه في عهد النظام المخلوع كان بعض المتنفذين يمارسون التنقيب عن الآثار دون قيود، ويتمكنون من الدخول إلى مواقع مختلفة، ما أسهم في تكوين ثروات كبيرة لدى بعض المسؤولين، أحياناً بالتعاون مع أفراد من المجتمع، في مواقع متعددة مثل قلعة دمشق والقبور الرومانية وغيرها.

ويضيف: “اليوم نلاحظ حالة غير صحية، إذ بات بإمكان أي شخص الحصول على خريطة وجهاز سبر، والعمل بشكل غير قانوني، ما أدى إلى انتشار عشوائي لعمليات البحث عن المعادن”.

ويرى حبزة أن الإجراءات الحالية لا تزال غير كافية، مشدداً على ضرورة فرض عقوبات صارمة على حيازة هذه الأجهزة واستخدامها في التنقيب غير المشروع، بحيث تصل العقوبات إلى السجن في حال ضبط أي مخالفة.

ويعزو تفاقم الظاهرة أيضاُ إلى دخول بعض الأشخاص إلى البلاد، بعد التحرير، وهم يحملون خرائط ومؤشرات لمواقع دفن مزعومة، ويحاولون استغلالها بالتعاون مع آخرين.

كما يؤكد على أهمية تفعيل الرقابة، ومصادرة الأجهزة، وتنظيم الضبوط، والتدخل القضائي بحق كل من يمارس أعمال التنقيب غير المشروع، مشيراً إلى أن الظاهرة تفاقمت وباتت أقرب إلى الفوضى، خاصة مع تزايد عمليات التهريب.

وما بين روايات الحلم بالثراء السريع، وتحذيرات العلم والقانون، تبقى ظاهرة التنقيب عن الكنوز في سوريا انعكاساً لتشابك معقّد بين الحاجة الاقتصادية، وضعف الرقابة، وانتشار المعتقدات الشعبية، وفي ظل هذا الواقع، تتحول الأرض من حاضنة للذاكرة والتاريخ إلى ساحة مفتوحة للمغامرة، حيث يطارد كثيرون وهمًا قد لا يكون له وجود.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قلعة صلاح الدين على قوائم الإيسيسكو.. اعتراف جديد بقيمة أحد أهم الحصون التاريخية

    ترتفع قلعة صلاح الدين فوق جبال الساحل السوري كأنها جزء من الصخر الذي احتضنها عبر القرون، شاهدةً على حكايات حصار وفتح، وتعاقب حضارات ...