إيمان سرحان
بعد سنوات طويلة من الغياب عن الحقول، يعود القطن السوري تدريجياً إلى الواجهة، في مشهد يعيد إلى الأذهان زمن “الذهب الأبيض” الذي شكّل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي والصناعي في البلاد، ومع بداية الموسم الحالي، تتزايد مؤشرات إقبال عدد من المزارعين، خصوصاً في ريف إدلب، على إعادة زراعة هذا المحصول الاستراتيجي، رغم ما يحيط به من تحديات تتعلق بالمياه وارتفاع التكاليف وغياب منظومة التسويق.
تمثل هذه العودة محاولة لاستعادة توازن اقتصادي فقده الريف السوري، حيث تراجعت زراعة القطن بشكل حاد نتيجة انهيار سلاسل الإنتاج من الحقل إلى المحلج، وتوقف مشاريع الري، وخروج المنشآت الصناعية عن الخدمة. ومع ذلك، يراهن مزارعون اليوم على جدوى القطن مقارنة بمحاصيل أخرى أقل استقراراً، في وقت ما تزال فيه البنية الداعمة لهذا القطاع بحاجة إلى إعادة تأهيل شاملة.
يقول المزارع مازن حسون، من بلدة سيجر في ريف إدلب، إنه عاد إلى زراعة القطن في موسم 2025 بعد سنوات من الانقطاع، مدفوعاً بكونه “محصولاً استراتيجياً وذا قيمة فعلية مقارنة بباقي الزراعات الصيفية”، إضافة إلى تراجع أسعار الخضروات والحبوب وارتفاع تكاليفها، ما دفعه للبحث عن بديل أكثر استقراراً. ويشير إلى أنه خصص نحو هكتار ونصف لزراعة القطن، أي ما يعادل ثلث أرضه، فيما وزّع المساحة المتبقية بين الحبوب والخضروات كنوع من “تأمين المخاطر”.
وعن التكاليف، يوضح حسون أن الدونم الواحد كلّفه مبالغ مرتفعة، توزعت بين أجور الفلاحة والأسمدة والمبيدات وأجور العمال، لافتاً إلى أن أجور العمال وحدها بلغت نحو 40 دولاراً للدونم، في ظل ندرة اليد العاملة وارتفاع كلفتها. ويضيف أن أبرز الصعوبات التي واجهته تمثلت في ضعف جودة بعض المبيدات وارتفاع أسعارها، إلى جانب انتشار آفات زراعية مثل دودة اللوز والمن والعناكب، ما اضطره إلى مكافحتها بجهود فردية.
وفيما يتعلق بالري، يؤكد أن القطن ما يزال محصولاً “عطشاناً”، إذ احتاج إلى نحو سبع ريات جرى تأمينها عبر بئر ارتوازي يعمل على الطاقة الشمسية، ما خفف من التكاليف نسبياً. ومع ذلك، لم تكن النتائج على مستوى التوقعات، حيث يصف الإنتاج بأنه “ضعيف مقارنة بما قبل 2011″، نتيجة تقلبات المناخ وارتفاع مستلزمات الإنتاج.
ووسط غياب محلج فعّال في إدلب، اضطر حسون إلى بيع محصوله لمحالج خاصة بأسعار منخفضة، بلغت نحو 600 دولار للطن، وهو سعر لا يغطي التكاليف، بحسب قوله. ويشير إلى أنه يفضّل البيع المباشر للتاجر رغم انخفاض السعر، لعدم قدرته على الانتظار، في ظل تجارب سابقة تأخر فيها تسويق محاصيل أخرى.
وعند المقارنة مع الماضي، يلفت إلى أن الفارق الأبرز يتمثل في تغير الظروف المناخية وتراجع الدعم، إذ كانت الدولة سابقاً تؤمّن مستلزمات أساسية مثل البذار والأسمدة وتنظيم الري، بينما يتحمل المزارع اليوم معظم الأعباء بنفسه. ورغم ذلك، لا يخفي تفاؤله، مؤكداً أنه ينصح بزراعة القطن “لأنه أوفر من الخضروات في كثير من الحالات”، لكنه يشدد على أن استمراره مرهون بتأمين تسويق مضمون وسعر عادل، إلى جانب دعم حقيقي يشمل القروض والبذار المحسّن وشبكات الري الحديثة.
ويختم بالقول إن القطن “سيبقى الذهب الأبيض”، معبّراً عن أمله بعودة هذا المحصول إلى مكانته السابقة، كجزء من ذاكرة الريف وهويته الزراعية، مضيفاً أنه يشجّع أبناءه على الاستمرار فيه إذا توفرت الظروف المناسبة.
من جهته، يقول المزارع حسين الراعي (أبو محمد)، من قرية ملس، إنه عاد إلى زراعة القطن هذا الموسم بعد انقطاع منذ عام 2012، الذي يصفه بأنه كان “موسماً وفيراً ومردوده جيد”. ويوضح أن خبرته السابقة شجعته على العودة إليه، خاصة أنه يستخدم مخلفات القطن كعلف للثروة الحيوانية التي يربيها. ويشير إلى أنه زرع نحو 100 دونم، خصص نصفها للقطن، فيما وزّع الباقي بين الحبة السوداء والفول والقمح.
ويبيّن أن تكلفة الدونم الواحد وصلت إلى نحو 100 دولار، في ظل ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية، إضافة إلى صعوبة تأمين المياه بعد توقف مشروع عين الزرقة، ما اضطره للاعتماد على مصادر خاصة بكلفة تقارب 40 دولاراً للدونم سنوياً. ورغم مواجهته لبعض الآفات مثل الديدان، تمكن من مكافحتها بوسائل متاحة، محققاً إنتاجاً يتراوح بين 400 و500 كيلوغرام للدونم، تبعاً لخصوبة التربة ونوع البذار.
أما التحدي الأكبر، بحسب الراعي، فيتمثل في تسويق المحصول، في ظل توقف المحالج الحكومية، حيث يتم البيع عبر تجار خاصين بأسعار تقارب 700 دولار للطن، مع تحمّل المزارع أحياناً تكاليف النقل. ويؤكد أنه يفضّل البيع لمؤسسات الدولة في حال توفرها، لما توفره من استقرار، لكنه يشير إلى غياب الدعم الحكومي حالياً، سواء في البذار أو الأسمدة أو تنظيم عملية التسويق.
ويلفت إلى أن الفارق الأبرز عن الماضي يتمثل في فقدان منظومة الدعم وتغيّر الظروف المناخية، التي باتت أكثر تقلباً، موضحاً أن بعض المواسم الأخيرة شهدت أمطاراً غزيرة تسببت بأضرار للمحاصيل. ورغم ذلك، يرى أن القطن يبقى من أفضل الخيارات للمزروعات الصيفية، مؤكداً أن عودته بقوة ممكنة في حال توفرت ثلاثة شروط أساسية: دعم حكومي حقيقي، إعادة تشغيل مشاريع الري مثل عين الزرقة، وتأهيل المحالج.
ويختم بالقول إن الأمل ما يزال قائماً بعودة القطن كمحصول استراتيجي تحتاجه سوريا لتغذية قطاع النسيج، لكنه يربط ذلك بوجود جهة قادرة على استلام الإنتاج ودعم المزارعين.
القطن ركيزة اقتصادية
في لقاء خاص لصحيفة “الثورة السورية”، يستعيد المدير السابق لمحلج إدلب صورة ازدهار القطن قبل سنوات، مشيراً إلى أن المحلج، الذي أُنشئ بصيغته الحديثة عام 1981، والمزوّد بآلات حلج أمريكية من شركة “لوموس”، كان يُعد من أبرز المنشآت على مستوى المنطقة، بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 40 ألف طن في الموسم الواحد. ويؤكد أن آخر موسم إنتاج فعلي عام 2011 بلغ هذه الطاقة تقريباً، معتمداً ليس فقط على إنتاج محافظة إدلب، إنما أيضاً على كميات كانت ترد من محافظتي الحسكة وحماة، ضمن منظومة إنتاج متكاملة تربط الزراعة بالصناعة.
ويضيف أن المحلج كان يشغّل نحو 150 عاملاً دائماً بين فنيين وإداريين، إضافة إلى ما يقارب 350 عاملاً موسمياً، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي الذي كان يوفره. كما يلفت إلى أن القطن المنتج، ولا سيما قطن إدلب، كان يتمتع بجودة عالية مطلوبة للتصدير، بعد تلبية احتياجات معامل الغزل المحلية، ومنها المعمل المجاور للمحلج.
وعن التوقف، يوضح أن المحلج خرج عن الخدمة تدريجياً مع بداية عام 2012 نتيجة القصف وتسرّب العمال والفوضى العامة، مشيراً إلى أن كميات كبيرة من القطن المحلوج والبذور بقيت في المستودعات آنذاك، دون معرفة مصيرها لاحقاً.
ورغم ذلك، يرى أن إمكانية إعادة تشغيل المحلج ما تزال قائمة، موضحاً أن الأمر يتطلب أولاً إجراء كشف فني لتقييم حالة الآلات، التي يُرجّح أنها بحاجة إلى صيانة محدودة، خاصة فيما يتعلق بمناشير الحلج وبعض المحركات. كما يشدد على أن توفر الكادر البشري لا يشكل عائقاً كبيراً، إذ يمكن الاستفادة من العمال السابقين أو تدريب كوادر جديدة.
ويؤكد أن العامل الحاسم في إعادة التشغيل هو عودة زراعة القطن، لافتاً إلى أن تشغيل المحلج بشكل اقتصادي يتطلب إنتاجاً يغطي على الأقل 50 بالمئة من طاقته. ويقترح في هذا السياق البدء بصيانة المنشأة، بالتوازي مع تشجيع المزارعين على زراعة القطن عبر تأمين البذار وتقديم الدعم اللازم بالتنسيق مع الجهات الزراعية.
ويختم بالتأكيد على الجدوى الاقتصادية للمحصول، قائلاً إن القطن كان يشكّل مورداً أساسياً للخزينة بعد النفط، ويغذي سلسلة صناعية متكاملة تبدأ من الزراعة ولا تنتهي عند الغزل والنسيج، معتبراً أن إعادة إحيائه تتطلب دعماً حقيقياً للمزارعين، لأن “المزارع، في النهاية، يبحث عن الربح، وإذا توفرت له مقومات الإنتاج، فلن يتردد في العودة إلى زراعة هذا المحصول”.
وفي تصريح خاص، أوضح محمد معري، مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة، أن الوزارة وضعت خطة لإعادة زراعة القطن في محافظة إدلب خلال الموسم الحالي، بالتوازي مع التوسع في المساحات المزروعة في باقي المحافظات، مشيراً إلى أن المساحات شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بما قبل عام 2011، حيث انخفضت من نحو 172 ألف هكتار بإنتاج تجاوز 472 ألف طن عام 2010، إلى نحو 25 ألف هكتار فقط بإنتاج يقارب 70 ألف طن في عام 2025.
وبيّن أن هذا التراجع يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، والتأخر في تحديد أسعار الاستلام، إضافة إلى التغيرات المناخية، وهجرة اليد العاملة، وتضرر البنية التحتية الزراعية، فضلاً عن الظروف الأمنية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية، ولفت إلى أن محافظة إدلب لم تشهد زراعة القطن في السنوات الأخيرة، بعد أن كانت مساحتها المزروعة تقارب 4 آلاف هكتار عام 2010، مع التخطيط لزراعة نحو 58 هكتاراً فقط خلال عام 2026.
وأشار معري إلى أن متوسط إنتاج الدونم الواحد تراجع بدوره من نحو 400 كغ قبل عام 2011 إلى نحو 250 كغ حالياً، ما يعكس التحديات الفنية والإنتاجية التي تواجه هذا القطاع. وفيما يتعلق بالبنية التحتية، أكد أن محالج القطن في إدلب تعرضت لتدمير جزئي أو كلي، موضحاً أن إعادة تأهيلها تقع ضمن خطط الجهات المعنية، مع بحث إمكانية إشراك القطاع الخاص في هذه العملية. وفي الوقت الراهن، يمكن نقل الإنتاج إلى محالج أخرى، مثل محلج تشرين في حلب.
وعن دعم المزارعين، أوضح أن الدعم الحالي يقتصر على توفير البذار بأسعار مخفضة، دون وجود تمويل مباشر أو قروض، مشيراً إلى أنه لم يتم حتى الآن تحديد سعر استلام محصول القطن للموسم القادم، حيث يجري العمل على دراسة تكاليف الإنتاج لضمان تسعير يغطي النفقات ويحقق هامش ربح للمزارع. كما لفت إلى وجود برامج إرشادية لدعم المزارعين، في حين تبقى مسألة تأمين مياه الري مرتبطة بشكل رئيسي بمشاريع الري الحكومية.
وفيما يتعلق بالتسويق، أكد أن القطن يُسلّم وفق احتياجات المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان لتغطية الطلب المحلي لقطاع الغزل والنسيج، مع إمكانية تصدير الفائض، متوقعاً أن يصل الإنتاج هذا العام إلى 150 ألف طن تقريباً بناء على المساحة المخططة
وختم معري بالقول: “القطن سيبقى محصولاً استراتيجياً، لكن عودته إلى سابق عهده تتطلب تحسين الواقع المائي وتقديم دعم حقيقي للمزارعين”، مشيراً إلى أن التوسع في زراعته سيبقى مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على معالجة تحديات التسويق والبنية التحتية.
ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه مزارعون أن غياب التسعير الواضح والدعم الكافي ما يزال يشكل عائقاً أمام توسيع زراعة القطن، ما يضع هذا المحصول بين مؤشرات التعافي من جهة، وتحديات الواقع من جهة أخرى.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
