راغب العطيه
يواصل القضاء الفرنسي المسار القانوني الذي اتبعه منذ عدة سنوات في متابعة رموز نظام الأسد المخلوع، وملاحقتهم داخل الأراضي الفرنسية، من خلال توجيه الاتهامات وفتح ملفات التحقيق الخاصة بالأشخاص الذين تعتقلهم السلطات الفرنسية المختصة بين فترة وأخرى في فرنسا، على خلفية تورطهم في انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوري خلال خدمتهم في صفوف قوات النظام المخلوع، فيما أصدرت السلطات القضائية نفسها عدة مذكرات توقيف بحق رأس النظام الهارب بشار الأسد.
وفي هذا الإطار، ذكرت وكالة “فرانس برس” في تقرير لها يوم السبت 25 نيسان، أن القضاء الفرنسي وجه تهمة التواطؤ في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية إلى سوري يبلغ من العمر 34 عاما، مؤكدة أن المتهم موقوف حاليا رهن الحبس الاحتياطي.
وتأتي هذه الخطوة الفرنسية الجديدة غداة القبض على المجرم أمجد يوسف، المسؤول الرئيسي عن ارتكاب مجزرة حي التضامن في دمشق عام 2013، والتي راح ضحيتها مئات السوريين العزل، غالبيتهم من الأطفال والنساء والشيوخ.
ويواجه الشخص، الذي يقيم في فرنسا منذ عدة سنوات، بحسب ما أفادت به النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب، اتهامات عدة تشمل القتل العمد، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، وأعمالا غير إنسانية أخرى يعتقد أنها ارتكبت في سوريا بين آذار 2011 وكانون الأول 2015.
وأوضحت النيابة العامة الفرنسية أنها تعاونت خلال التحقيق بشأن المتهم المذكور مع سلطات قضائية أوروبية، وآليات تابعة للأمم المتحدة، ومنظمات سورية ودولية غير حكومية.
وفي كانون الأول الماضي، وجه القضاء الفرنسي اتهامات مماثلة لشخص آخر يشتبه بانتمائه إلى جهاز مخابرات النظام المخلوع، وإدارته مركز اعتقال جرت فيه أعمال تعذيب بحق السوريين، وذلك في سياق فتح النيابة الفرنسية تحقيقا أوليا حول جرائم ضد الإنسانية ارتكبت بين عامي 2010 و2013، وهي الفترة التي تزامنت مع انطلاق الثورة السورية عام 2011.
مذكرات توقيف بحق رأس النظام المخلوع
وجاء إصدار السلطات القضائية في فرنسا، في 2 أيلول 2025، مذكرات توقيف بحق رأس النظام المخلوع المجرم بشار الأسد، وعدد من أعوانه، على خلفية مقتل صحفيين من بينهم أجانب في حمص عام 2012، استكمالا للخطوات القضائية الفرنسية السابقة.
وذكرت وكالة “فرانس برس” أن السلطات الفرنسية أصدرت سبع مذكرات توقيف دولية، من بينها مذكرات بحق بشار الأسد المخلوع وأخيه ماهر، على خلفية قصف استهدف مركزا إعلاميا في حي بابا عمرو بمدينة حمص عام 2012، والذي أسفر عن مقتل الصحفية الأميركية ماري كولفين، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، مؤكدة أن مذكرات التوقيف شملت أيضا علي مملوك، مدير المخابرات العامة، وكلا من علي أيوب ورفيق شحادة، المسؤولين الأمنيين في حمص آنذاك.
وكانت التحقيقات قد أظهرت أن القصف نفذ ضمن خطة ممنهجة أقرت في اجتماع أمني رفيع، بهدف استهداف الصحفيين الأجانب، وهو ما اعتبرته المحكمة جريمة ضد الإنسانية.
وكان القضاء الفرنسي أصدر في تشرين الثاني 2023 مذكرة اعتقال دولية بحق المجرم بشار الأسد بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، جراء هجمات باستخدام أسلحة كيميائية محظورة ضد المدنيين قرب دمشق عام 2013، كما فتحت باريس تحقيقا في جرائم قتل ومحاولة قتل رعايا فرنسيين في آذار 2012، وفي تشرين الأول 2014 تم توسيع التحقيق ليشمل جرائم حرب، وفي كانون الأول 2024 جرائم ضد الإنسانية.
وفي كانون الثاني 2025، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة توقيف بحق المجرم بشار الأسد بتهمة ارتكاب جرائم حرب.
مذكرة توقيف متعلقة بالهجمات الكيميائية
وفي 15 تشرين الثاني 2023، أصدر قضاة تحقيق جنائيون في فرنسا مذكرة توقيف بحق رأس النظام المخلوع، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية متعلقة بالهجمات الكيميائية في مدينة دوما والغوطة الشرقية في آب 2013، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من ألف شخص.
وجاءت هذه المذكرة نتيجة شكوى تقدم بها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، ومجموعة من الضحايا عام 2021، لينضم إليها لاحقا “الأرشيف السوري”، و”رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية”، و”مبادرة عدالة المجتمع المفتوح”، و”المدافعون عن الحقوق المدنية”. وقد شملت أيضا المجرم ماهر الأسد، قائد ما يسمى الفرقة الرابعة آنذاك، بالإضافة إلى ضابطين آخرين هما غسان عباس والعميد بسام الحسن.
ويعد إصدار هذه المذكرة، بحسب المراقبين، خطوة بارزة في طريق السعي إلى العدالة والمحاسبة في سوريا، فرغم جسامة هذه الجريمة والعدد الكبير من الضحايا والإصابات الجسدية والنفسية التي نتجت عنها، لم تتم محاسبة أي مسؤول عن استخدام السلاح الكيميائي، إضافة إلى أنها المرة الأولى التي تصدر فيها مذكرة توقيف بحق رئيس النظام نفسه، وأول مرة تصدر فيها مذكرة توقيف من قضاء وطني بحق رئيس دولة ما زال في منصبه.
وتأتي أهمية هذه المذكرة من كونها صدرت بعد تحقيق استغرق فترة طويلة، مما يعني أن هناك أدلة قوية وموثوقة حول مسؤولية المجرم بشار الأسد، وبالتالي، وبغض النظر عن وجود التحديات الإجرائية والقانونية التي واجهت القضية، فإنه سيكون من الصعب نفي هذه المسؤولية عنه في المستقبل، بحسب القانونيين.
ويرى بعض المراقبين أن هذه المذكرات تمثل خطوة جديدة في مسار الملاحقات القضائية الدولية، والتي من شأنها أن تعيد إلى الواجهة موضوع محاسبة المتورطين في أعمال العنف التي استهدفت المدنيين السوريين خلال الحرب، مؤكدين أن هذه المذكرات نتيجة طبيعية وامتداد لقضايا تم العمل عليها حقوقيا وقانونيا لسنوات طويلة، سواء قضية الصحفيين الأجانب، أو الهجمات الكيميائية، أو القضايا الأخرى التي قدمت إلى المحاكم الألمانية عام 2017 وصدرت عنها مذكرات توقيف أيضا.
منع الإفلات من العقاب
وتكمن القوة القضائية لمذكرات التوقيف الفرنسية في اتهامها الرئيس المخلوع وشقيقه ومجموعة من الضباط بشكل مباشر بجريمة قتل الصحفية الأميركية والصحفي الفرنسي، وهي مذكرات توزع على الإنتربول الدولي.
وقال المحامي وليد أبو نبوت إن الإجراءات التي يقوم بها القضاء الفرنسي تعد جزءا من مبدأ قانوني مهم يعرف بالاختصاص الجنائي الدولي، وهو سلطة المحاكم الوطنية والدولية في ملاحقة ومعاقبة الأفراد المسؤولين عن جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، حتى ولو لم ترتكب تلك الجرائم على أراضي الدولة التي تتبع لها هذه المحاكم، مشيرا إلى أن الإجراءات القضائية الفرنسية تلعب دورا فعالا في عدة نقاط، أهمها منع الإفلات من العقاب، وهو تأكيد أن الجرائم التي ارتكبت بحق السوريين ليست منسية، وأن الزمن أو اللجوء إلى دول أخرى لن يحمي مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، فهي جرائم لا تسقط بالتقادم.
وبين أبو نبوت، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أن التحقيقات الفرنسية والدولية تساعد في توثيق الانتهاكات، وأن كل ملف يفتح بابا لملفات أخرى، لأن كل تحقيق ينتج عنه أدلة وشهادات يمكن البناء عليها لاحقا، وهو أمر مهم لأي محاكمات مستقبلية، سواء كانت داخل فرنسا أو أمام المحاكم الدولية أو حتى في المحاكم السورية، لافتا إلى أن هذه الإجراءات تسهم، بشكل أو بآخر، في تحقيق العدالة للضحايا، حتى لو كانت بشكل جزئي، فهي تعطي الضحايا وعائلاتهم حدا أدنى من الاعتراف بمعاناتهم، وهو بحد ذاته يعتبر جزءا من العدالة.
ضغط سياسي وقانوني
وأشار أبو نبوت إلى أن هذه الإجراءات القانونية مهمة على المستوى الدولي، حيث إنها تحقق ضغطا سياسيا وقانونيا على باقي الدول من أجل أن تتحرك وألا تتجاهل الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع ضد السوريين، مؤكدا ضرورة أن يساعد المجتمع الدولي في ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب، من خلال التعاون القضائي وتبادل المعلومات والأدلة بين الدول، بما يسهم في ملاحقة المتهمين والمجرمين ويسهل ذلك، إلى جانب دعم المحاكم الدولية مثل المحكمة الجنائية الدولية، على الرغم من محدودية الاختصاص في الحالة السورية.
وأوضح المحامي أبو نبوت أن فرض العقوبات من جانب المجتمع الدولي يساهم في تقييد حركة المتورطين ويحد من قدرتهم على الإفلات من العقوبة، إضافة إلى حماية الشهود والضحايا، فالدعم الدولي مطلوب في حماية الشهود لأن هذا الدعم يلعب دورا فعالا في تحقيق المساءلة والعدالة، مستشهدا بما وفرته الدولة الفرنسية للشاهد الملك “قيصر” من حماية، من أجل الإدلاء بشهادته حتى اكتمال ملفه.
وقال أبو نبوت إن الإجراءات الفرنسية خاصة، والأوروبية عامة، تدعم وتساعد بصورة أو بأخرى مسار العدالة الانتقالية في سوريا، من خلال المحاسبة، وحفظ الأدلة، وبناء الملفات الجنائية، وكسر ثقافة الإفلات من العقاب، مؤكدا أنها تشكل إسهامات تستطيع المحاكم السورية الاستفادة منها والبناء عليها من أجل تحقيق العدالة الانتقالية بحق من أجرموا بحق أبناء الشعب السوري خلال سنوات الثورة، وأن الإجراءات القضائية الفرنسية هي جزء من العدالة الانتقالية وليست بديلا عنها، وأن ما يجري في الخارج من خطوات قانونية يمكن أن يسد بعض الفراغ، لكنه لا يغني عن مسار وطني شامل داخل سوريا يعالج الجذور الكاملة للانتهاكات التي وقعت على السوريين.
وأعلنت عدة دول أوروبية أخرى، من بينها ألمانيا والسويد وهولندا، خلال السنوات الماضية، عن مذكرات ومحاكمات بحق مسؤولين في النظام السابق، بتهم تتعلق بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب، استندت جميعها إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
