بقلم: محمد صلاح الدين أبو عيسى
باحث في العلوم الإدارية والحوكمة
أعاد تصريح وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السورية، هند قبوات، في 4 تشرين الثاني 2026، بشأن وصول مقترح منح الجنسية السورية لأبناء السوريات المتزوجات من غير السوريين إلى مرحلة الإقرار، فتحَ أحد أبرز الملفات الحقوقية والتشريعية في سورية، بما يحمله من أبعاد قانونية وإنسانية تتصل بمفهوم المواطنة والمساواة أمام القانون.
فقد كرّس قانون الجنسية العربية السورية، الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969، تفاوتاً في انتقال الجنسية بين الأب والأم؛ إذ يستطيع الأب السوري نقل جنسيته إلى أبنائه، بينما يظل حق الأم السورية مقيّداً بحالات استثنائية حددها القانون.
وهنا تبرز إشكالية قانونية جوهرية: كيف يمكن الحديث عن المساواة في المواطنة، بينما يختلف الأثر القانوني لهذه المواطنة باختلاف جنس الوالد؟
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ضوء المادة 15 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادتين 7 و8 من اتفاقية حقوق الطفل، والمادة 9 من اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، مع الإشارة إلى التحفظ السوري على الفقرة الثانية من المادة التاسعة، المتعلقة بحقوق المرأة في جنسية أطفالها.
وبحسب المعلومات المنشورة حول المقترح الحكومي، فإنه يتضمن اشتراط تسجيل الزواج رسمياً، وأن تكون الأم سورية بالأصل لا بالتجنّس، وألا تكون هناك أحكام جرمية بحق مقدم الطلب، إلى جانب موافقة الجهات المختصة واستكمال الوثائق المطلوبة. كما أن المقترح لا يزال في مسار الموافقة، ولم يصبح قانوناً نافذاً حتى الآن.
ومن هنا، فإن أهمية هذا التوجه لا ينبغي أن تقتصر على معالجة الحالات الإنسانية التي خلّفتها سنوات الحرب والنزوح وغياب الوثائق، بل يجب أن تمتد إلى مراجعة فلسفة قانون الجنسية ذاتها.
وتبرز ضرورة معالجة أوضاع الأطفال الذين تعذّر تسجيل ولاداتهم أو إثبات نسبهم، وكذلك الذين بلغوا سن الرشد، مع ضمان ألا تتحول الإجراءات الإدارية أو غياب الوثائق إلى عائق أمام حقوقهم القانونية.
كما تستدعي الشروط المقترحة نقاشاً تشريعياً حول المساواة بين المرأة السورية بالأصل والمرأة التي اكتسبت الجنسية بالتجنّس، ومدى اتساق هذا التمييز مع مبدأ المساواة في المركز القانوني للمواطنين.
إن إصلاح قانون الجنسية ليس مجرد استجابة لمطلب اجتماعي، بل خطوة تتصل بإعادة بناء مفهوم المواطنة وتعزيز دولة القانون والمؤسسات.
فالجنسية ليست امتيازاً ذكورياً، والأم السورية ليست أقل أهلية من الأب في نقل انتمائها الوطني إلى أبنائها. إن المساواة الحقيقية تبدأ حين تتحول المواطنة من مبدأ دستوري وحقوقي إلى ممارسة تشريعية متكافئة، وحين لا يصبح حق الطفل في الانتماء رهناً بجنس أحد والديه.
(أخبار سوريا الوطن )
syriahomenews أخبار سورية الوطن
