بقلم:د. جابر قاسم
مع بدء حملة جديدة تدعو إلى مقاطعة العلويين، وظهور موجة جديدة من التحريض الطائفي، سواء عبر بعض المنابر أو من خلال مؤثرين وصناع محتوى على وسائل التواصل الاجتماعي أو أشخاص يتبنون خطابًا طائفيًا، أجد نفسي مضطرًا للعودة إلى قضية أعتقد أنها جوهرية.
أنا مقتنع أننا لا نعيش في المدينة الفاضلة، بل ومقتنع أيضًا بأن المدينة الفاضلة لم توجد يومًا على أرض الواقع. لكن قدرنا، نحن السوريين، أن نعيش على هذه الأرض معًا، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها أو القفز فوقها.
ما يحزنني حقًا أن بعض هذه الخطابات تصدر أحيانًا عن أشخاص كانوا يعتبرون أنفسهم ضحايا للظلم، وكانوا يرفعون شعارات الحرية والكرامة والعدالة.
ولا أرى شيئًا أكثر قسوة من أن يتحول المظلوم إلى ظالم أشد ظلمًا، أو أن تتحول الضحية إلى جلاد أكثر قسوة. فمن خرج يومًا مطالبًا بالحرية لا يجوز أن يصبح أول المعترضين على حرية الرأي عندما لا يعجبه ما يقال.
وقد لمست ذلك شخصيًا عندما تعرضت لانتقادات وهجمات لمجرد أنني أبديت رأيًا ناقدًا لبعض الممارسات الحكومية، وبأسلوب هادئ ومحترم. ولن أتوسع في هذا الموضوع، فقد تحدثت عنه سابقًا.
الشعب السوري ليس نسخة واحدة
أعود إلى عنوان هذا المقال: الشعب السوري ليس واحدًا ولا يشبه بعضه.
نعم، الشعب السوري ليس متطابقًا، ولا أرى في ذلك أي مشكلة، بل على العكس تمامًا. فالتنوع ليس عيبًا، وإنما مصدر غنى وقوة.
ولا يوجد شعب في العالم، ولا طائفة، ولا حتى عائلة واحدة، تتشابه في كل شيء إلى درجة التطابق الكامل. فالاختلاف سنة من سنن الحياة.
لقد سعى النظام السوري السابق، لعقود طويلة، إلى فرض صورة نمطية تقول إن الشعب السوري كتلة واحدة متجانسة في كل شيء، مستخدمًا في ذلك أدوات الترغيب أحيانًا والتخويف أحيانًا أخرى، لكنه لم يستطع تحقيق ذلك. ولن يستطيع أي طرف آخر فعل ذلك مهما حاول، لأن الاختلاف جزء طبيعي من تكوين المجتمع.
وما إن تراجعت القبضة الأمنية حتى ظهرت الخلافات والتباينات الكامنة إلى السطح، أحيانًا بصورة حادة ومؤلمة.
التنوع ليس مشكلة
في دول عديدة مثل اليابان والصين والولايات المتحدة والهند وتركيا وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا، توجد قوميات وأعراق وأديان وطوائف متعددة ومختلفة، لكنها تعيش ضمن إطار دولة القانون والمؤسسات، حيث يشعر الجميع بالانتماء إلى وطن واحد، ويعملون من أجل تقدمه وازدهاره.
هناك يحمي الدستور حقوق المواطنين، ويضمن القانون المساواة بينهم، فلا يصبح الاختلاف سببًا للصراع، بل مصدرًا للتكامل والتنوع.
وفي بلدنا أيضًا توجد أطياف دينية ومذهبية وثقافية متعددة، ولا ضير في ذلك على الإطلاق. فنحن لسنا مطالبين بأن نتطابق، بل بأن نتكامل.
السؤال الحقيقي ليس كيف نلغي الاختلاف، بل كيف نستفيد منه ونوظفه لصناعة لوحة وطنية جميلة ومتوازنة تعكس ثراء المجتمع السوري وتنوعه.
لا مستقبل للكراهية
لن تقوم لنا قائمة ما دمنا نكفر بعضنا بعضًا، أو نخون بعضنا بعضًا، أو نمارس التحريض والكراهية ضد بعضنا البعض.
ومن هنا تأتي مسؤولية الدولة، التي يجب أن تكون حازمة في تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وأن تبدأ بنفسها في التعامل مع المواطنين على أساس المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات.
فالدولة العادلة لا تعرف مبدأ “خيار وفقوس”، ولا تميز بين مواطنيها، لأن التمييز يولد الإحباط ويضعف الانتماء الوطني.
ولا ينبغي أن يشعر أي مواطن بأنه مضطر للاحتجاج على الظلم أو التمرد عليه، كما عبّر أديبنا الكبير محمد الماغوط في كتابه الشهير “سأخون وطني”، الذي كان صرخة في وجه الاختلالات والظلم أكثر منه دعوة للخيانة بالمعنى الحرفي.
درس من ماليزيا
خلال زيارتي الأخيرة إلى ماليزيا، لفت انتباهي مشهد يستحق التأمل.
هناك معبد بوذي كبير يتوسطه تمثال ضخم لبوذا، ويقصده البوذيون من مختلف أنحاء العالم، كما يزوره آلاف السياح سنويًا. ويتم كل ذلك تحت حماية الدولة وأجهزتها الأمنية، وفي أجواء من الاحترام المتبادل.
ورغم الأعداد الهائلة للزوار وتنوع خلفياتهم الدينية والثقافية، لا تكاد تجد حادثة اعتداء أو استفزاز أو تحريض بسبب المعتقد أو الهوية.
إنها تجربة تؤكد أن قوة الدولة لا تكمن في فرض التشابه بين الناس، بل في حماية حقهم في الاختلاف ضمن إطار القانون.
في الختام
أقول لكل دعاة الفتنة والتحريض والكراهية: لن تستطيعوا النيل من وحدة السوريين ولا من قدرتهم على التعايش.
فالواقع اليومي الذي يعيشه الناس أقوى من كل حملات التحريض، والدليل ما نشهده من تواصل وزيارات ومحبة متبادلة بين أبناء مختلف المناطق السورية، ومن مظاهر الفرح والاحتفال التي تجمع السوريين بمختلف انتماءاتهم.
لقد أثبت السوريون مرارًا أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما يفرقهم، وأن الوطن يتسع للجميع عندما تسود المحبة والعدالة والاحترام المتبادل.
وسيبقى جمال سوريا الحقيقي في تنوعها، وفي قدرتها على تحويل هذا التنوع إلى مصدر قوة ووحدة، لا إلى سبب للانقسام والخصومة

من امام تمثال بوزا في ماليزيا
(موقع اخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
