د. سلمان ريا
غادرت الكلمات الكبرى قاعة الأمم المتحدة، لكن العالم لم يغادر أزماته. في نيويورك تحدث دونالد ترامب، ومسعود بزشكيان، وفولوديمير زيلينسكي، وسيرغي لافروف، وتحدث قادة وممثلون من دول كثيرة عن الحروب والأمن والنظام الدولي ومستقبل العلاقات بين الدول. وكان السؤال الأهم، خلف كل الكلمات، أقل ارتباطاً بما قاله كل رئيس، وأكثر ارتباطاً بما كشفته الكلمات مجتمعة عن عالم يزداد انقساماً، وتتناقص قدرته على إنتاج تسويات مشتركة.
لم تكن نيويورك هذه المرة مسرحاً لاكتشاف خلافات جديدة، بقدر ما كانت مرآة واضحة لخلافات أصبحت عميقة ومكشوفة. الولايات المتحدة جاءت لتدافع عن حربها مع إيران، وتلوّح في الوقت نفسه بإمكان التسوية. إيران جاءت لتؤكد رفضها للضغط الأميركي، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً. روسيا تحدثت عن الاستعداد للتفاوض حول أوكرانيا، فيما واصلت التأكيد على شروطها. أما أوكرانيا، فاستمرت في المطالبة بوقف الحرب وبترتيبات أكثر صلابة لأمنها.
وفي خطاب الرئيس الأميركي، اجتمعت لغة التهديد بلغة التفاوض. فقد هدد بتصعيد بالغ الخطورة ضد إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، لكنه أبقى في الوقت نفسه على احتمال التسوية. وفي موازاة ذلك، تحركت اتصالات دبلوماسية حول الحرب الأميركية الإيرانية، لتؤكد أن القوة والدبلوماسية لم تعودا مسارين منفصلين، بل أداتين تتحركان في الوقت نفسه.
كان المشهد، بهذا المعنى، كاشفاً أكثر منه توافقياً. كل طرف جاء إلى المنبر ومعه روايته للحرب، وتعريفه للأمن، وحدوده لما يمكن أن يقبله. لكن الكلمات نفسها كشفت مفارقة مهمة: الجميع تقريباً يتحدث عن السلام، بينما لا تزال أدوات الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي هي اللغة الأكثر حضوراً في إدارة الأزمات.
وهنا تكمن أهمية نيويورك الحقيقية. ليست في أن القادة اتفقوا، لأنهم لم يتفقوا، ولا في أن الأمم المتحدة استطاعت حل الحروب، لأنها لم تفعل. أهميتها أنها أظهرت حدود النظام الدولي القائم. القوى الكبرى ما زالت تحتاج إلى المنبر الدولي، لكنها لا تتصرف بالضرورة من خلاله. تستخدمه لتوجيه الرسائل، وشرح المواقف، واختبار ردود الأفعال، بينما تبقى القرارات الأكثر حسماً في واشنطن وموسكو وطهران وبكين وعواصم أخرى.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن رئيس الجمعية العامة نفسه طرح السؤال الذي يختصر مأزق المؤسسة: الناس خارج مبنى الأمم المتحدة لا يسألون فقط إن كانت المنظمة موجودة، بل يسألون إن كانت تعمل. أما غوتيريش، في كلمته الافتتاحية، فوصف عالمه بأنه يشهد اتساعاً في خطوط الانقسام، وتعميقاً للانقسامات الجيوسياسية وتراجعاً في الثقة، محذراً من أن القانون الدولي نفسه يتعرض لضغوط متزايدة.
لكن ضعف الأمم المتحدة لا يعني نهايتها. فالعالم، رغم خلافاته، لا يزال يحتاج إلى مكان يجلس فيه المختلفون، وإلى لغة مشتركة للقانون، وإلى مؤسسة تستطيع إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة عندما تغلق الحروب الأبواب الأخرى. وربما تصبح هذه الوظيفة أكثر أهمية في المرحلة المقبلة، لا أقل.
فالخطر الحقيقي ليس أن يفشل العالم في الاتفاق على كل شيء، فهذا أمر غير واقعي. الخطر أن يصبح غياب الاتفاق مبرراً لتحويل القوة إلى القاعدة الوحيدة التي تحكم العلاقات الدولية.
لهذا فإن ما بعد نيويورك أهم من نيويورك نفسها. الكلمات قيلت، والمواقف سُجلت، والخلافات أصبحت أكثر وضوحاً. أما الاختبار الحقيقي فيبدأ خارج القاعة: هل تستطيع القوى الكبرى والإقليمية تحويل هذه المواجهات إلى تفاوض، أم ستستمر في إدارة العالم عبر الأزمات والضغوط والحروب؟
العالم لا يحتاج إلى خطب أكثر بقدر ما يحتاج إلى قواعد تستطيع القوى المختلفة أن تعيش في ظلها. وبين نظام قديم لم يعد كافياً ونظام جديد لم يولد بعد، تبقى المهمة الأصعب هي منع الفوضى من أن تصبح نظاماً.
وهذا، في النهاية، هو السؤال الذي تركته نيويورك مفتوحاً: هل يستطيع العالم أن يتعلم كيف يتعايش قبل أن يتعلم كيف يتصارع؟
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

