كتب محمد خير الوادي
عبّر توم باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا، عن قلقه البالغ إزاء الغارات الجوية الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور الجوية في الشمال السوري، واعتبر ذلك تصعيدًا غير مبرر لا يُسهم في استقرار المنطقة.
وأوضح باراك أن الحكومة الحالية في دمشق “لم تتبنَّ موقفًا عدائيًا، ولم تُبقِ على قوات وكيلة، بل أبدت مرارًا وتكرارًا رغبتها في خفض التصعيد مع إسرائيل”.
وأضيف إلى ذلك من عندي أنه قبل عدة أيام، سُرّبت أخبار من واشنطن تفيد بأن الرئيس ترامب منع نتنياهو من توجيه أي ضربات ضد سوريا.
كلام جميل حقًا نسمعه من واشنطن، ولكن الوقائع تشير إلى نقيض ذلك تمامًا.
فالهيجان العدواني الإسرائيلي غير المسبوق تجاه سورية متواصل، ومحاولات إسرائيل عرقلة نهوض سوريا لا تتوقف أيضًا، والتصريحات العدائية الاستفزازية لأعضاء في حكومة نتنياهو ضد سوريا تنهمر كالمطر.
أمريكا تكثر من تصريحاتها المعبرة عن القلق من تصرفات نتنياهو الهوجاء هذه، ولكن على الأرض، لا نعثر على أي مرتسمات لترجمة تلك التصريحات إلى أفعال.
هذا التناقض في الموقف الأمريكي يعني أحد أمرين: إما أن واشنطن باتت عاجزة عن التحكم بسلوك نتنياهو، وإما أن الإدارة الأمريكية لا تريد ردع نتنياهو في الأمور التي تخص سوريا.
وأنا أميل إلى الاحتمال الثاني؛ لأنه لو أرادت واشنطن إيقاف إسرائيل، لفعلت ذلك. وهناك أدلة كثيرة على ذلك، منها أن ترامب أمر نتنياهو بعودة الطائرات الحربية الإسرائيلية من سماء طهران، بعد أن استعدت تلك الطائرات لإلقاء حمولتها القاتلة على العاصمة الإيرانية.
كما أن الرئيس الأمريكي منع إسرائيل من المشاركة في الجولة الأخيرة من الحرب على إيران.
ودليل آخر على ذلك يأتي من غزة؛ فالخطة الأمريكية هناك تسير قدمًا، رغم معارضة نتنياهو الشديدة لبنود تلك الخطة.
وهناك الكثير الكثير من تلك الأدلة.
وهنا تنهض علامة استفهام كبيرة حول النيات الأمريكية الحقيقية تجاه سورية. لا أريد المضي قدمًا في هذا الاتجاه ونبش الوقائع، لكني أيضًا لا يمكنني، في الوقت نفسه، إغماض العين حيال تخاذل الموقف الأمريكي!
والسؤال المحيّر نفسه يبرز حيال الموقف التركي. هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن قصف مطار أبو الظهور في شمال سورية كان عبارة عن رسالة تحدٍّ مباشر لتركيا. وردًا على ذلك، اكتفت أنقرة بالإدانة والتأكيد أنه لا توجد قوات تركية في المطار المذكور!
وسؤالي الثالث هو: لا شك أن رئيس الحكومة الإسرائيلية أراد من توسيع قصفه للأراضي السورية توجيه رسالة واضحة إلى التحالف الدفاعي الذي تشكل مؤخرًا، بعضوية كل من السعودية وتركيا وباكستان. الرسالة تقول إن تحالفكم هذا لن يغير من طموح إسرائيل للهيمنة على الشرق الأوسط.
وأيضًا، لم نرَ أي رد فعل عملي على خطط نتنياهو هذه تجاه المنطقة.
لا أريد الخوض في التحليل ومحاولة العثور على إجابات شافية عن تلك الأسئلة؛ لأنه من المفترض، بل من واجب تلك الأطراف الثلاثة، تقديم تفسيرات مقنعة حول ذلك.
والآن، إلى النقطة الأهم في المقالة.
إن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا يؤكد عمق الحقد والكراهية اللذين تكنّهما إسرائيل تجاه سوريا، إضافة إلى قلق وخوف عميقين لدى الأوساط الإسرائيلية من نهوض دولة حقيقية مكتملة الأوصاف في سورية، تستند إلى جيش وطني حقيقي، واقتصاد إنتاجي متطور، ووحدة وطنية صلبة، ودور فاعل في ضمان الأمن والاستقرار والسلام الفعلي في المنطقة.
نتنياهو لا يريد ذلك كله، ويسعى إلى عرقلة إمكانية بناء سورية المستقلة الواحدة.
وهذه نقطة جوهرية ومسألة استراتيجية ينبغي أن تبقى ماثلة على الدوام أمام مخططي السياسة السورية.
فإسرائيل لا تضمر سوى الشر المستطير لسورية. وإدراك ذلك أمر مهم، لكن الأهم أن نفكر بخطوات عملية لمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها في سوريا.
أتفهم أن الجهود الأساسية للدولة الآن منصبة على مداواة الجراح العميقة التي ألحقها النظام البائد بالشعب وبكيان الدولة، وتوفير أسباب نهوض سوريا الجديدة. ولكن، في الوقت نفسه، ينبغي أن نُعدّ العدة لمواجهة المخطط الإسرائيلي الشرير.
فالاتكال فقط على قوى خارجية لن يلجم إسرائيل. فالأمن وحماية السيادة الوطنية لا يُستوردان.
وقديمًا قالوا: “ما حك جلدك مثل ظفرك”
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
