د. عادل صادق حسن
نعت عائلة محمد غميرة ابنها، في حادثة مؤلمة تفتح من جديد ملف حقوق الإنسان داخل أماكن الاحتجاز، ولا سيما بعد ما أُعلن عن توقيف سبعة من عناصر مخفر الحفة من قبل قيادة الأمن الداخلي في اللاذقية، على إثر حادثة وفاة محمد غميرة تحت التعذيب.
هذه الحادثة، بكل ما تحمله من ألم وأسئلة، تستحق الوقوف عندها بجدية ومسؤولية، ليس فقط من أجل محمد غميرة وعائلته، وإنما من أجل بناء دولة لا يُسمح فيها بتكرار ممارسات الماضي، أياً كان المسؤول عنها وأياً كانت هوية الضحية.
كل حادثة جديدة من هذا النوع تثبت للجميع أن الظلم لا يتعلق بطائفة أو منطقة معينة، وأن الانتهاك عندما يحدث لا ينبغي التعامل معه بمنطق الانتماءات والمكونات، وإنما بمنطق الحق والعدالة والقانون.
صحيح أن النظام السابق سقط، لكن سقوطه لا يعني بالضرورة أن كل ممارسات الماضي قد انتهت معه. فالسجون ما زالت تضم موقوفين ومتهمين من مختلف المكونات والطوائف، وبينهم من قد يكون متهماً بارتكاب جرائم ويستحق المحاسبة وفق القانون، وبينهم أبرياء يجب إطلاق سراحهم، وبين هؤلاء وأولئك يجب أن تكون هناك قاعدة واحدة: لا عقوبة خارج القانون، ولا انتهاك لحقوق الإنسان تحت أي ذريعة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود السجون أو في توقيف المتهمين، فالدولة تحتاج إلى مؤسسات أمنية وقضائية تحفظ أمن المجتمع وتلاحق مرتكبي الجرائم، وإنما تكمن في الطريقة التي تتم بها عمليات الاعتقال والتحقيق والمعاملة داخل أماكن الاحتجاز.
لا يجوز أن يتوقف مصير الإنسان وكرامته على شخصية المسؤول عنه أو على أخلاق السجان وإنسانيته. الحقوق ليست منّة من أحد، والمعاملة الحسنة ليست امتيازاً يمنح لهذا الموقوف ويحرم منه ذاك، وإنما هي حق أصيل لكل إنسان، أياً كان الاتهام الموجه إليه.
ومن هنا، فإن حادثة وفاة محمد غميرة يجب ألا تمر كحادثة عابرة، بل ينبغي أن تكون مناسبة لإجراء تحقيق جدي وشفاف، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وفي الوقت نفسه حماية الأبرياء من أي اتهام غير مستند إلى الأدلة والقانون.
نحن بحاجة إلى الارتقاء بأساليب التحقيق والاعتقال، وإلى ترسيخ ثقافة جديدة داخل المؤسسات الأمنية تقوم على احترام الإنسان وكرامته، لأن بناء الدولة لا يبدأ فقط من القوانين والمؤسسات، بل يبدأ أيضاً من الطريقة التي تتعامل بها هذه المؤسسات مع أضعف الأشخاص وأكثرهم حاجة إلى الحماية.
كما نحتاج إلى قضاء عادل ومحاكمات عادلة، بحيث يُتاح لكل موقوف حق الدفاع عن نفسه، ويُترك للقضاء تحديد المسؤولية والبراءة والإدانة، بعيداً عن التعذيب والانتزاع القسري للاعترافات أو العقوبات خارج إطار القانون.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً نتيجة غياب العدالة وانتشار الخوف والانتهاكات في عقود مضت، ولا يجوز أن نعيد إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء جديدة أو داخل مؤسسات جديدة.
إن الدولة التي نريدها ليست تلك التي تستبدل سجاناً بسجان، وإنما تلك التي تجعل القانون فوق الجميع، وتحمي المظلوم وتحاسب المجرم، وتحفظ كرامة الإنسان حتى عندما يكون متهماً.
وأخيراً، علينا أن ندرك أن ما نراه ونسمع به ليس بالضرورة سوى جزء من الحقيقة. ولذلك فإن المسؤولية تقتضي التحقيق وكشف الحقائق كاملة، وعدم التسرع في إطلاق الأحكام، ولكن في الوقت ذاته عدم الصمت أمام أي انتهاك يثبت وقوعه.
المساجين والموقوفون من مختلف المكونات والطوائف، ومن دون استثناء، وحقوقهم يجب أن تكون واحدة. فالعدالة لا تتجزأ، وكرامة الإنسان لا لون لها ولا طائفة ولا منطقة.
محمد غميرة ليس مجرد اسم في حادثة جديدة، بل تذكير مؤلم بأن سقوط نظام الظلم يجب أن يتبعه سقوط ثقافة الظلم، وأن الانتقال إلى دولة القانون يبدأ من السجون قبل أي مكان آخر
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

