عبد اللطيف عباس شعبان
أكد وزير المالية، محمد يسر برنية، أن قرار الولايات المتحدة الأمريكية القاضي برفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب يفتح الباب واسعًا أمام إعادة دمج سوريا ومؤسساتها في النظام الاقتصادي والمالي العالمي، ويمهّد لتدفّق الاستثمارات الأجنبية وتوطين التقنيات الحديثة، بما يدعم التنمية المستدامة ويسرّع التعافي الاقتصادي.
ولا شك أن هذه التطلعات تستحق التقدير، إلا أن حسن التدبير يقتضي أن تبدأ السياسة الاقتصادية بتشجيع رأس المال السوري المحلي، وتحفيز رأس المال السوري المهاجر على العودة والاستثمار، بالتوازي مع استقبال الاستثمارات العربية والأجنبية. فمن حق رأس المال الوطني، بل من واجبه، أن يكون في مقدمة الاستثمارات المطلوبة، عملًا بالمثل القائل: «فما حكّ جلدك مثل ظفرك».
والأهم أن تتجه هذه الاستثمارات إلى الزراعة والصناعة وسائر القطاعات الإنتاجية، وما يرتبط بها من بنى تحتية وخدمات، لا أن تتركز بصورة أساسية في التجارة والعقارات والمنشآت الخدمية والاستيراد، كما كان سائدًا في مراحل سابقة، أو كما يُروَّج لبعضه اليوم.
فسوريا بحاجة إلى استثمارات تزرع وتصنّع وتصدّر، وتؤمّن فرص العمل، وتعيد بناء اقتصادها على قاعدة الإنتاج. ولذلك فإن استثمار رأس المال في الزراعة والصناعة أكثر أولوية من توجيهه إلى استيراد السيارات والمفروشات والسجائر وسواها من السلع، التي يشكّل جزء كبير منها كماليات لا تتناسب مع حاجات بلد يسعى إلى تجاوز آثار سنوات الحرب والدمار.
وتملك سوريا مقومات واسعة لإطلاق عملية إنتاجية كبيرة: استعادة قوة الإنتاج الزراعي، وتطوير زراعة القمح والقطن والزيتون، وإعادة تشغيل معامل السكر والبصل المجفف والجرارات والأخشاب والكابلات والمولدات والبرادات، وإحياء محالج القطن ومعامل النسيج والألبسة، إلى جانب استثمار النفط والغاز، والتوسع في طاقة الرياح والطاقة الشمسية، ومعالجة مشكلات الصرف الصحي ومياه الشرب، والعمل على استعادة الثروة الحيوانية التي تراجعت أعدادها بصورة كبيرة.
ويشكّل إنتاج القمح الذي بلغ هذا العام نحو 2.5 مليون طن، إلى جانب التوقعات بموسم زيتون جيد، مؤشرات مشجعة ينبغي البناء عليها. كما أن الزيتون يستحق أن يحظى بمكانة استراتيجية أكبر، نظرًا إلى موقع سوريا المتقدم عالميًا في عدد أشجاره وكمية إنتاجه ونوعيته.
إن الهدف الأساسي من هذه الاستثمارات يجب أن يكون إعادة بناء اقتصاد منتج وتشغيل اليد العاملة السورية، مع الاستعانة بالخبرات الأجنبية فقط عند الحاجة إلى اختصاصات نادرة. فالخبرات المحلية قابلة للتطوير من خلال التدريب والتأهيل، وهي الأقدر على المشاركة في إعادة بناء الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، ينبغي أن تتعامل السياسة المالية بحذر مع القروض الدولية، وألا تتحول الحاجة إلى التمويل الخارجي إلى أعباء مستقبلية تثقل الاقتصاد. كما أن تسهيل التحويلات المصرفية والتعاملات المالية الدولية يجب أن يترافق مع حكمة ودقة في التفاوض مع مؤسسات التمويل الدولية.
إن الانفتاح الاقتصادي المرتقب فرصة مهمة لسوريا، لكن نجاحه لن يقاس بحجم الأموال التي تدخل البلاد، بل بنوعية الاستثمارات، وقدرتها على زيادة الإنتاج والتصدير وتوفير فرص العمل وبناء اقتصاد سوري قوي ومستدام. ومن هنا، يبقى المال السوري المحلي والمهاجر هو الأولى بأن يتصدر قائمة الاستثمارات الموعودة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

