آخر الأخبار
الرئيسية » الرياضة » المونديال بين الرياضة والسياسة: عندما تتحول كرة القدم إلى أداة للقوة الناعم

المونديال بين الرياضة والسياسة: عندما تتحول كرة القدم إلى أداة للقوة الناعم

زينب عوالي

 

 

 

بين كرةٍ تدور على العشب الأخضر وأخرى تتحرك في دهاليز السياسة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تجمع فريقين على أرض الملعب، بل تحوّلت إلى ساحة تتنافس فيها الدول على النفوذ والصورة والقدرة على التأثير. فمنذ أول مباراة دولية رسمية بين إنكلترا واسكتلندا عام 1872، وأول نسخة من كأس العالم في الأوروغواي عام 1930، تطورت اللعبة من منافسة رياضية إلى منصة عالمية تُستخدم لإبراز القوة الناعمة وتوجيه الرسائل السياسية وصياغة السرديات الدولية.

 

وفي حديثٍ خاص لـ ” الحوار نيوز” مع الدكتور علي مكي الاستشاري في الدعاية و الإعلام الاستراتيجي و المدير المؤسس لشركة CRĒDO لإدارة السمعة، أوضح أن الدول المستضيفة لكأس العالم تستخدمه اليوم كأداة لما يعرف ب”ترويج الصورة الذهنية للدولة”. فالاستضافة هي اختبار من مستوى عالمي لقدرة الدولة على أمرين: الإدارة والتنظيم. فعندما تنجح الدولة في استقبال الملايين وتقديم بنية تحتية متطورة، فإنها ترفع من رصيد ثقة المستثمرين والسياح، وتعزز مكانتها كجهة قادرة على قيادة الأحداث الدولية، مما يحولها إلى “علامة تجارية” (Nation Brand) ذات جاذبية عالية.

 

 

وأشار الى أن المونديال أصبح ساحة رئيسية للتنافس على “القوة الناعمة”. النفوذ اليوم لا يقاس فقط بالقوة الصلبة مثل القوة العسكرية و النفوذ السياسي، بل بالقدرة على جذب الانتباه وتوجيه السردية. وهنا نجد أن الدول تتنافس على من يقدم النموذج الأكثر إبهاراً وتأثيراً، ومن ينجح في فرض قيمه ومعاييره ضمن هذا الحدث العالمي يكتسب نفوذاً رمزياً يتجاوز حدود كرة القدم.

 

وفي ما يخص دور الإعلام أشار دكتور مكي الى أن الإعلام اليوم لم يعد مجرد ناقل للنتائج الرياضية، بل تحول إلى “محرك للصراع على السرديات”. ففي السابق، كان الإعلام التقليدي يمارس “حراسة البوابة” (Gatekeeping)، حيث يحدد للجمهور ما يجب مشاهدته. أما اليوم، فقد كسر الإعلام الرقمي هذا الاحتكار، حيث أصبح الجمهور هو صانع المحتوى. المونديال اليوم هو “مكبر صوت” عالمي، والمساحة المتاحة فيه تُستخدم لفرض قضايا كانت تُهمش سابقاً في التغطيات الرياضية الدولية.

 

وطرح الدكتور مثالاً بقوله: قطر كـ “هايد بارك” سياسي ودولة وساطة:

 

في مونديال 2022، لم تكتفِ قطر بتقديم تجربة رياضية، بل وفرت بيئة استراتيجية سمحت للمونديال بأن يتحول إلى “هايد بارك” (Hyde Park) مفتوح للخطاب السياسي والقيم. انطلاقاً من كون قطر “دولة وساطة” (Mediation State) تؤمن بفتح قنوات التواصل حتى بين الأطراف المتناقضة، أتاحت الدوحة للجمهور ساحة طبيعية للاشتباك الرمزي حول قضاياهم المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

اضاف: رأينا كيف تحولت مدرجات وشوارع الدوحة إلى منبر لرفض التطبيع، حيث واجه الجمهور العربي الوفود الإسرائيلية بـ “سلاح الرمزية” (رفع الأعلام، الهتافات، واللقاءات العفوية مع الإعلاميين). الإعلام الرقمي نقل هذه المواجهات اللحظية إلى ملايين الشاشات حول العالم، مما أدى إلى “تآكل” السردية التي تحاول المؤسسات الغربية فرضها.

 

قطر هنا، ومن خلال إدارتها للحدث كدولة وساطة، لم تمنع هذا الاشتباك، بل جعلت منه جزءاً من طبيعة البطولة، مما أجبر الرأي العام العالمي على التوقف أمام القضية الفلسطينية كقضية حية ومركزية، وليس كمجرد ملف في نشرة أخبار. هذا هو جوهر “القوة الناعمة”؛ أن تمنح المساحة لمن لا صوت له ليخترق بصوته جدار الإعلام التقليدي العالمي.

 

أما في تقييمه لإحتجاز الولايات المتحدة الأميركية لأيمن حسين اللاعب العراقي، أشار د.مكي الى أن هذه الحادثة هي صدام مباشر بين “البيروقراطية الأمنية” و”دبلوماسية الصورة”، موضحاً أن في استضافة الفعاليات الكبرى، الدولة المضيفة تكون تحت مجهر أخلاقي؛ أي إجراء أمني ضد شخصية عامة أو رياضية يتم تفسيره كـ “رسالة سياسية” وليس مجرد إجراء إداري، مضيفاً أن احتجاز نجم رياضي يثير فوراً تساؤلات حول “انتقائية المعاملة”، فالتداعيات الإعلامية هنا تتجاوز الرياضة لتصبح مادة دسمة لوسائل التواصل الاجتماعي التي تُظهر الدولة المضيفة بمظهر “المتوجس” أو “المنغلق”، ما يمحو بضربة واحدة ملايين الدولارات التي أُنفقت على حملات الترويج السياحي والترحيب. و قد يؤدي إلى صدام ديبلوماسي بين الدول المضيفة و الدولة التي ينتمي اليها اللاعب.

 

أما في ما يتعلق بتأثير ملف التأشيرات على صورة الدولة المستضيفة فقال د.مكي لـ” الحوار نيوز” أن التأشيرة هي “الترمومتر” الذي يقيس مدى ترحيب الدولة بضيوفها و يعكس بطريقة غير مباشرة طبيعة العلاقات السياسية، وعندما تكون الإجراءات معقدة أو انتقائية، فإن الدولة تُرسل رسالة “إقصاء” للجمهور.

 

واشار الى أن في القوة الناعمة، الانطباع الأول لا يمحى، والجمهور العربي يقرأ هذه التعقيدات كـ “حاجز نفسي” يكرس التباعد. على سبيل المثال عندما يواجه المشجع العربي “تعقيداً” في الحصول على التأشيرة بينما يتم تسهيل دخول جنسيات أخرى، يتحول المونديال في وعيه من “حدث عالمي” إلى “حدث نخبوياً غربياً”، مما يخلق فجوة عميقة بين الشعار السياسي “الرياضة للجميع” والواقع السياسي

 

 

 

وفي تقييمه لإستخدام القوة الناعمة في استضافة قطر مونديال كأس العالم عام 2022 وإستضافة الولايات المتحدة له عام 2026 رأى دكتور على مكي أن المقارنة تكشف بوضوح أن “حقوق الإنسان” في عالم الفعاليات الضخمة ليست معياراً عالميا ثابتاً، بل هي أداة سياسية انتقائية.

 

ففي قطر (الاستهداف بالقيم): تم توظيف قضايا حقوق العمال وحقوق المثليين كـ “سلاح دبلوماسي” لتقويض شرعية الاستضافة، وتحويل الحدث من رياضي إلى “محاكمة أخلاقية”. الغرض كان ممارسة ضغط سياسي على دولة صاعدة تخرج عن النص الغربي المرسوم.

 

أما في الولايات المتحدة (صمت المركز): عندما تنتقل الاستضافة إلى “المركز الغربي”، نجد صمتاً مطبقاً تجاه قضايا جوهرية. الصمت عن التغيرات الجيوسياسية، غياب أي نقاش حول القضية الفلسطينية، وتجاهل الآثار الحربية التي تعيشها دول المنطقة المشاركة. هذا الصمت ليس عفوياً، بل هو “حصانة استراتيجية” يتمتع بها المضيف الغربي؛ حيث يمتلك القوة لفرض ما هو “مسموح نقاشه” وما هو “محظور”.

 

كما طرح النموذج الكندي كإستثناء ووصفه بالتناقض الصارخ قائلاً أن ما ذكرتَه عن كندا (الكوفية الفلسطينية، الفنانة من أصول فلسطينية) يمثل “الاستثناء الذي يثبت القاعدة”. هذه المبادرات الفردية أو المجتمعية في كندا هي محاولات من الشعوب لإعادة صوتها الذي يحاول “التيار الرسمي للمونديال” إخفاءه. بينما تتبنى الأنظمة الرسمية الأمريكية والمنظمة للمونديال خطاباً “معقماً” سياسياً، تظل الميادين (كما في كندا) هي المساحات الوحيدة التي يخرج فيها الصدق السياسي، مما يكشف الفجوة بين “جمهور المونديال” الذي يريد أن يرى واقع العالم، وبين “إدارة المونديال” التي تريد تنميط الواقع ليخدم سرديتها. هذا ما يعرف ب ديكتاتورية السردية.

 

وفي ما يتعلق بالتورترات السياسية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران وكيف تنعكس على أجواء مباريات كأس العالم أشار الى أن التوترات الاستراتيجية لا تُضعف المونديال بل تُحوله اإلى “ساحة للدبلوماسية الموازية”. كما أن الدولة المضيفة عندما تستقبل دولاً لديها معها توترات (مثل إيران أو غيرها من الدول المشاركة)، فإنها لا تكتفي باستقبال “فريق رياضي”، بل تدير “رسالة سياسية”. المونديال هنا يُعيد تشكيل الاستراتيجية من “دبلوماسية الترحيب” إلى “دبلوماسية إدارة الحضور” كما تابعنا ذلك في الأخبار.

 

وبدلاً من أن يكون المونديال مساحة للتقارب، قد يتحول إلى “منصة إقصاء أو تأكيد للحصار”؛ حيث يتم استخدام الإجراءات التنظيمية (مثل التسهيلات الأمنية أو التضييق الإعلامي) كأدوات ضغط. الاستراتيجية تصبح هنا: “كيف يمكنني استخدام هذا الحدث لأظهر للعالم أنني الطرف الأقوى أو الأكثر حكمة في التعامل مع خصومي؟”. الرياضة تصبح الغطاء لعملية “عزل سياسي” أو “فرض هيمنة” لا تظهر في العلن، لكنها تُمارس خلف كواليس التنظيم. كما شاهدنا لاعبي المنتخب الإيراني عند وصولهم يضعون بروش #١٦٤ و هو عدد ضحايا المدرسة.

 

وفي ما يتعلق بالمشجع العربي قال د.مكي ان المشجع العربي هو “مشاهد مسيّس بامتياز”، فهو لم يعد يتابع المونديال كمجرد مشجع يبحث عن الترفيه، بل كمراقب يبحث عن “العدالة في المعاملة”، مؤكداً أن التناقض بين الخطاب الغربي في مونديال قطر والممارسة الغربية في مونديال أمريكا أدى إلى “تسييس وعي” المشجع؛ فأصبح يقرأ ما وراء الإجراءات، ويحلل لماذا سُمح بهذا ومُنع ذاك.

 

كما أنه عندما يرى المشجع العربي أن شعارات حقوق الإنسان أو التضامن كانت “مقدسة” في قطر، ثم أصبحت “غير ذات صلة” في أمريكا، فإنه يبدأ بطرح السؤال الوجودي: “هل هذه القوانين لي أم عليّ؟”. هذا السؤال يجعل المونديال بالنسبة له “ملفاً حقوقياً وسياسياً”، حيث المباراة هي الهامش، والقصة السياسية أي الصراع على الكرامة والمكانة هي المتن الذي يتابعه بكل اهتمامه.

 

وختم الدكتور على مكي أن كأس العالم هو في جوهره وبطبيعته، منافسة رياضية لا تُعوض و كل دولة تسعى للمشاركة فيها، لكنه أيضاً بالنسبة للدولة المنظمة والدول المشاركة هي مرآة دقيقة للديناميكيات السياسية التي تحرك العالم. هو ليس بالضرورة ساحة للصراع بقدر ما هو مساحة مفتوحة للتفاعلات المتغيرة، مضيفاً أنه بدلا من النظر للمونديال كساحة تصادم، يمكن قراءته كـ ‘مسرّع ديناميكي’ (Catalyst) للعلاقات الدولية؛ حيث يذوب الجليد الدبلوماسي أحياناً بفضل لغة الكرة المشتركة. نحن نرى كيف يمكن للمونديال أن يفتح أفقاً جديداً للاستثمارات العابرة للحدود، أو أن يكون “لحظة مفصلية” لتجديد العلاقات الدبلوماسية بين دول كانت في حالة قطيعة، فقط لأنها وجدت في ‘نموذج’ الدولة الأخرى ما يجذبها للتعاون. كما أنه يمكن للمونديال أن يتحول إلى ساحة للتقارب؛ إذ قد تجد دولتان متخاصمتان أرضية مشتركة من خلال تقدير مشترك لأداء فريق دولي معين، أو عبر وساطة تقوم بها دولة مستضيفة تملك القدرة على إدارة الحوار خلف الكواليس.

 

في الخلاصة، لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية تجمع المنتخبات والجماهير تحت عنوان المنافسة الشريفة، بل تحول إلى أداة سياسية تعيد صياغة التحالفات الدولية وتعيد تشكيل العلاقات بناءً على قدرة التعاون وإنفتاح الدول الأخرى. وبينما تبقى كرة القدم لغةً مشتركة توحّد الشعوب وتتجاوز الحدود، تكشف استضافة المونديال في الوقت نفسه عن موازين القوى الدولية والصراعات على النفوذ والسرديات والصورة الذهنية للدول. ومن قطر 2022 إلى الولايات المتحدة 2026، يتأكد أن هذا الحدث العالمي بات مرآة تعكس التحولات السياسية والثقافية في العالم، وأن ما يجري خارج المستطيل الأخضر لا يقل أهمية أحياناً عما يحدث داخله. وبين أهداف اللاعبين ورسائل الدول، يبقى كأس العالم مساحة فريدة تتداخل فيها الرياضة مع السياسة، ليحمل كل مونديال قصة تتجاوز حدود اللعبة إلى رسم ملامح عالمٍ يتغيّر باستمرار

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-الحوار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أميركا تتخطى باراغواي برباعية في المونديال

    حققَ المنتخب الأميركي صاحب الضيافة فوزاً مستحقاً على منافسه منتخب باراغواي 4-1، وذلك ضمن المجموعة الرابعة من منافسات كأس العالم 2026 لكرة القدم ...