كتب محمد خير الوادي :
اريد عبر هذه المقالة ، وبعجالة ، فك بعض طلاسم السياسة ،التي ينفذها ترامب، منذ قدومه الثاني قبل اكثر من عام إلى البيت الأبيض ، والتي صدعت كثيرا من الثوابت التي استقرت في الوعي العام العالمي، خلال الثمانين عاما الماضية . من هذه الثوابت ، ” قدسية ” القانون الدولي ، وحرمة السيادة الوطنية ،و”حصانة ” الركائز المتعارف عليها في السياسة الدولية ، وفي طليعتها ، العولمة والاتفاقات الدولية، لا سيما اتفاقات التجارة الحرة ، ومنع استخدام القوة في العلاقات الدولية ، وغيرها الكثير، مما كان يعرف بالشرعية الدولية . كانت سياسة ترامب ،اشبه بالجرّافة التي دمرت كل ما يعترضها من اركان هذه الشرعية . وقد اختلفت الاراء حول وصف الترامبية . فجهات عدة وسمتها بالتهور ، وأخرى وسمتها بالمزاجية ، وثالثة أطلقت عليها نعت الفوضى غير الخلاقة . ونادرا ما كنا نسمع رأيا موضوعيا حول تلك السياسة، بعيدا عن الانفعالات والنقد المشروع ،الذي تواجهه واشنطن ، بسبب سجلها المظلم خلال عقود طويلة . وأود ان اشير بهذا الخصوص، ، إلى أن التسرع في إطلاق احكام نهائية على سياسة ترامب هذه ، وتحكيم المشاعر والرغبات عند تقويم سلوك الرئيس الأمريكي ، أفضى إلى صدور تحليلات واستنتاجات ،لا تعبر عن البواعث الحقيقية لنهج الرئيس ترامب . ومع ذلك ، ورغم اختلاف المشارب والأهواء السياسية لمنتقدي الترامبية ، فإنهم توصلوا كلهم تقريبا ،إلى نتيجة واحدة قد تكون مثيرة للجدل ، هي ، ان خطوات الرئيس ترامب ” غير العقلانية ” ، وسياسته المتهورة “، ستفضي حتما إلى غروب شمس الإمبراطورية الأمريكية . ويعلل أنصار تلك النتيجة موقفهم هذا بالقول ، ان الخطأ الأساسي الذي ارتكبه ترامب يتجلى في مساواته بين اصدقاء امريكا واعدائها في مسألة المحاسبة ، وهو امر قد نفر حلفاء امريكا ، واثلج صدر خصومها .وانا هنا لن أجادل في صحة او خطأ تلك الاستنتاجات ،ولكن، ومع وجاهة هذه النتيجة ، لا يمكن إغفال حقيقة اخرى تعبر عن نفسها بقوة ، هي ،انه رغم الفوضى وعدم اليقين والضبابية التي تعم الان ادارة ترامب ، إلا ان السلوك العام لتلك الادارة يخضع إلى توجهين أساسيين ، سأتوقف عندهما بشيء من التفصيل . التوجه الاول الذي لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة ،يتجلى في تركيز واشنطن الترامببة على العمل المنظم ، لقصقصة اذرع التنين الصيني ، المنتشرة في العالم كله . وهنا سأفصل قليلا . فقد استغلت الصين بذكاء، بعض الصيغ التي بنتها امريكا بعد الحرب الباردة ، وفي طليعتها انفتاح الغرب على بكين ، والعولمة وحرية التجارة العالمية ، من اجل تعزيز قوتها الذاتية . وقد وضعت بكين نهجا استرشاديا ناجحا لسياستها الخارجية ، يقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين ، والتقدم الفوري والهاديء في المناطق التي تنسحب منها امريكا ، والتعامل مع كل الأنظمة، بغض النظر عن طبيعتها ومواقفها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، واستخدام الاقتصاد كوسيلة أساسية للتمدد في العالم . مع ملاحظة هامة ، ان اي دولار تنفقه بكين في الخارج ، ينبغي ان يجلب لها ربحا اقتصاديا او سياسا. فالصين لا تقدم على استثمارات خاسرة . وقد حقق هذا التوجه الصيني نجاحا باهرا خلال العقد الأخير . وقد انتبه ترامب إلى خطورة تزايد النفوذ الصيني في العالم ، والى الآليات التي تستخدمها بكين لتحقيق غاياتها. ولذلك احيا ترامب مبدأ مونرو الذي يحظر على اية دولة اجنبية التدخل او التواجد في امريكا اللاتينية ، واستخدم التهديد بالقوة لإزالة القلاع التي التي أشادتها الصين في دول امريكا اللاتينية . فبدأ من قناة بنما ، حيث أرغم السلطات هناك على الغاء اتفاقية منح الصين حق ادارة القناة . وواصل ترامب جهده هذا في اقتحام اكبر حصن صيني في تلك المنطقة ، وهي فنزويلا . وترامب – حسب منطوقه -يتوعد قلعة صينية ثالثة هي كوبا، بالويل والثبور وعظائم الأمور ، ان لم تتراجع عن تحالفها مع الصين .واكاد اجزم ، ان احد العوامل التي شجعت ترامب على الحرب ضد ايران ، هو السعي إلى ضرب النفوذ الصيني في ايران ، وحرمان الصين من النفط الإيراني الرخيص-كما فعل في فنزويلا- . وهناك سبب آخر للحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة ، لا يتم الحديث عنه كثيرا . فقد وفرت العمليات العسكرية التي تقوم بها امريكا في الخليج ، الفرصة لواشنطن لاعادة ضبط العلاقات المتنامية جدا بين دول الخليج العربي والصين .فخلال العقدين الماضيين، نما التقارب بين دول الخليج والصين ، إلى حد انه وصل إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي بين الجانبين في المجالات كلها . بالتأكيد ، هذا الأمر لم يبعث الارتياح لدى واشنطن . ولذلك استثمرت امريكا حشودها العسكرية الهائلة في تلك المنطقة ، من اجل اعادة السيطرة على نفط الخليج ، وهذه العملية تتم الان جزئيا من خلال الحصار الذي تضربه السفن الأمريكية على مضيق هرمز . وتطمح واشنطن من خلال سلوكها هذا إلى اكثر من ذلك ، تطمح إلى تقليص التعاون بين دول الخليج العربي والصين ، واعادة توجيه علاقات تلك الدول نحو امريكا . وما دمنا نتحدث عن الجهود الأمريكية للتصدي للصين ، فانني مقتنع ، ان احد اسباب خروج ادارة ترامب من اتفاقيات التجارة الحرة ، وتنكر واشنطن للعولمة ، واللجوء إلى مبدأ العقوبات ، ،هو تفويت الفرصة على الصين لاستغلال تلك الهياكل الدولية الاقتصادية مجددا، من اجل تغذية عروق الاقتصاد الصيني والنيل من امريكا . وفي الوقت نفسه ، لم يعد ترامب يولي اهتماما لقوة امريكا الناعمة .ولذلك تخلى عن ربط علاقات امريكا مع الآخرين بمراعاة حقوق الانسان ، وهو الشرط الذي تحكم بعلاقات امريكا مع الدول الاخرى لعقود كثيرة . ومقابل ذلك ، بدأ الرئيس ترامب التركيز على القوة الخشنة ، كوسيلة لممارسة السياسة الخارجية الأمريكية . والقوة الخشنة تعني اللجوء إلى القوة العسكرية والتهديد بها، كوسيلة لممارسة السياسة الخارجية . واضاف الرئيس ترامب اداة اخرى ، تملكها امريكا بسبب ضخامة اقتصادها ، وهي اعتماد العقوبات الاقتصادية والمالية ، بهدف انتزاع مواقف ملائمة لأمريكا من الدول الاخرى . وفي هذا المجال. ، حقق ترامب نجاحات كبيرة في امريكا اللاتينية، وهو يسعى إلى الامر نفسه في الشرق الأوسط .
والتوجه الثاني ، الذي يمكن ان نلمسه بوضوح في ظل فوضى ترامب ، هو سعى الادارة الأمريكية الحالية لتخفيف الأعباء التي كانت امريكا تتحملها لقاء توفير مظلة أمنية لحماية حلفائها . وكان اول قرار لافت في هذا المجال ، الغاء المساعدات التي كانت واشطن تقدمها لأوكرانيا ، وإجبار اوربا على شراء اسلحة من امريكا لصالح كييف . كما أرغم ترامب اليابان على الاستثمار بمئات المليارات في الاقتصاد الأمريكي .والموقف نفسه اتخذه الرئيس ترامب مع كوريا الجنوبية . كما دفع الرئيس الامريكي تايوان إلى البدء ببناء معمل هائل لإنتاج الرقائق الالكترونية في امريكا ، سيكون الأكبر في العالم . ولا تغيب عن الذهن ، الترليونات التي حصل عليها ترامب من دول الخليج العربي ، لقاء توفير الحماية لها .وبالنسبة لاوربا ، فقد هدد بالخروج من حلف الناتو ، إذا لم ترفع الدول الاوربية نسبة مساهماتها في نفقات الحلف . وقد بدأت اوربا برفع مخصصاتها العسكرية . واختم مقالتي بالقول ، يمكن الكتابة بلا نهاية عن مثالب ترامب وسلطويته وتفضيله الولاء والقرابة ، على الكفاءة والخبرة ، وعن دعمه اللامحدود لعدوانية صديقه ومثيله نتنياهو ، لكن في الوقت نفسه ،فان الواقع يقول ، ان ترامب قد غير امريكا ، وغير كذلك العالم القديم بقوانينه وتقاليده وأعرافه السياسية . ولا احد يستطيع التنبؤ بنتائج هذه التغييرات . ومع ذلك ، فان خيطا واضحا يربط نتف مواقف ترامب المتناقضة والغامضة والفوضوية ،في صورة واضحة ، تقول للجميع ، ان قاطن البيت الأبيض لن يسمح لأية قوة منافسه ، سواء كانت الصين اوغيرها ، من انتزاع عرش العالم من امريكا او تحدبها . وفي سبيل ذلك ، فان ترامب جاهز لاستخدام الوسائل التي يملكها كلها ، من اجل الحفاظ على دور امريكا الريادي في العالم . الرئيس ترامب يريد ذلك ويسعى اليه ، ولكن قد يكون للتاريخ راي آخر . وأول اختبار جدي لتوجهات ترامب هذه ،ستكون الانتخابات النصفية الأمريكية بعد عدة اشهر .
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
