إعداد: محمد عزوز
يقع جبل النبي شيث إلى الجنوب من مدينة القدموس في محافظة طرطوس، على مسافة تقارب 10 كيلومترات عبر طريق إسفلتي يمر بقرى المقرمدة والمشيرفة. إلا أن الطريق لا يصل إلى قمة الجبل، مما يضطر الزائر إلى متابعة جزء من الرحلة سيرًا على الأقدام عبر مسالك جبلية طبيعية.
يُعد الجبل من التشكيلات البركانية القديمة، ويتخذ شكلًا مثلثيًا مميزًا، ويرتفع نحو 1014 مترًا فوق سطح البحر، ما يجعله من المواقع البارزة في المنطقة. وبالرغم من قربه النسبي من مدينة القدموس بخط النظر، فإن الوصول إليه كان في الماضي أكثر صعوبة، إذ كان الزوار يعبرون الوادي الفاصل سيرًا على الأقدام وسط الأحراش الكثيفة التي كانت تضفي على المكان رهبةً وغموضًا خاصين.
تتوج قمة الجبل مجموعة من الأبنية الحجرية المشيدة على الطراز العقدي باستخدام الحجارة البازلتية السوداء. ويتألف المقام من عدة غرف، معظمها مهجور اليوم، فيما تضم إحدى هذه الغرف قبرًا مغطى بقماش أخضر، يقصده الزوار للتبرك وإشعال البخور والدعاء. ويُعرف هذا المقام باسم مقام النبي شيث، غير أنه لا تتوافر دلائل تاريخية أو أثرية مؤكدة تثبت أن القبر يعود للنبي شيث عليه السلام أو أن النبي عاش في هذه المنطقة، مما يجعل التسمية جزءًا من الموروث الشعبي المتناقل عبر الأجيال.
وفي السفح الشمالي للجبل توجد عدة قبور ومزارات قديمة، لا يزال أحدها قائم البناء ويُعرف باسم النبي حيدر. ويروي الأهالي أن المنطقة كانت تضم قبورًا لاثني عشر نبيًا، اندثر معظمها مع مرور الزمن، وبقيت هذه الروايات جزءًا من الذاكرة الشعبية المحلية.
ومن المعالم اللافتة في قمة الجبل بئر ماء قديم مخصص لتجميع مياه الأمطار والثلوج خلال فصل الشتاء. ويتميز البئر بوجود فتحتين؛ الأولى فتحة تقليدية للسحب والاستقاء، والثانية عبارة عن درج حجري يتيح النزول إلى مستوى المياه داخل البئر، وهو تصميم هندسي نادر نسبيًا في مثل هذه المواقع الجبلية.
أما السفح الجنوبي للجبل، فقد كان يضم عددًا من البيوت السكنية التابعة لعائلات من منطقة القدموس، إلا أن معظم سكانها هاجروا خلال العقود الماضية إلى مدن وبلدات أكثر سهولة في الوصول، مثل القدموس ومصياف وسلمية، وذلك بسبب وعورة المكان وغياب الطرق المعبدة التي تصل إليه في السابق.
ويحيط بالمقام غطاء نباتي غني يضم أشجارًا معمرة ضخمة، بعضها يعود إلى عشرات السنين، مما يضفي على الموقع جمالًا طبيعيًا خاصًا ويمنحه أجواءً من السكينة والهيبة. كما يوفر الجبل إطلالات بانورامية واسعة على الجبال والوديان المحيطة، الأمر الذي يجعله مقصدًا للزوار والمهتمين بالطبيعة والتراث الشعبي والتاريخ المحلي.
ويظل جبل ومقام النبي شيث واحدًا من المواقع التراثية والدينية البارزة في منطقة القدموس، حيث تتداخل فيه الطبيعة الخلابة مع المعتقدات الشعبية والذاكرة التاريخية لأهالي المنطقة، ليشكل شاهدًا على جانب مهم من التراث الثقافي والإنساني في محافظة طرطوس



(أخبار سوريا الوطن-المعد)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

