عدنان كامل الشمالي
ليس بعيدًا عن مدينة طرطوس، وعلى مسافة تقارب عشرين كيلومترًا إلى الشمال الشرقي، تقود الطريق المتعرجة نحو منطقة الخوابي، إحدى أجمل مناطق الساحل السوري وأكثرها هدوءًا وسحرًا. وما إن تبدأ الجبال بالارتفاع، وتتكاثف الغابات على جانبي الطريق، حتى يشعر الزائر أنه ينتقل من صخب المدن إلى عالم آخر لا تحكمه سوى الطبيعة. وفي قلب هذا المشهد الأخّاذ، ينساب نهر الخوابي بين الأشجار والصخور، ليمنح المكان روحًا آسرة لا تخطئها العين.
تتغذى مياه النهر من ينابيع جبلية عذبة تتفجر في المرتفعات المحيطة، ثم تلتقي في مجرى يلتف بين السفوح والوديان، وكأن الماء اختار أن يطيل رحلته ليستمتع بكل زاوية من زوايا الجبل. فلا يحتفظ المجرى بشكل واحد؛ إذ يتسع في مواضع ليكوّن بركًا صافية تلمع تحت أشعة الشمس، ثم يضيق بين الصخور فتشتد سرعة المياه، ويرتفع خريرها ليصبح اللغة الوحيدة التي يتحدث بها الوادي.
ولعل أكثر ما يميز نهر الخوابي ذلك الانسجام البديع بين الماء والغابة. فالأشجار المعمرة، من الدلب والسنديان والصفصاف والحور، لا تقف بعيدًا عن ضفتيه، بل تمتد أغصانها فوق مياهه، لترسم على سطحها ظلالًا متحركة تتبدل مع حركة الشمس. وبين الجذوع تنمو الأعشاب البرية والنباتات العطرية، فيختلط عبق التراب المبلل برائحة الزعتر البري وأزهار الربيع، حتى يغدو الهواء نفسه جزءًا من متعة المكان.
وعلى امتداد ضفتي النهر تنتشر جلسات ريفية ومقاصف صغيرة اندمجت بانسجام مع الطبيعة المحيطة، دون أن تطغى على جمالها. لذلك يبقى المشهد على سجيته؛ مياه جارية، وأشجار باسقة، وصخور صقلتها السنون، فيما يجد الزائر مكانًا هادئًا يجلس فيه قريبًا من النهر، يستمع إلى خريره، ويتأمل انعكاس الضوء على صفحته الصافية.
وللنهر في كل فصل حكاية مختلفة. ففي الشتاء تستقبل الينابيع أمطار الجبال، فتزداد المياه غزارة وقوة، ويغدو الوادي أكثر امتلاءً بالحياة. ومع الربيع ترتدي الضفاف ثوبًا أخضر تزينه الأزهار البرية بألوانها الزاهية، بينما يكشف الصيف عن إحدى أجمل مزايا المكان؛ برودة المياه، وظلال الأشجار الكثيفة، والنسيم العليل الذي يهب من الوادي، فيخفف من حرارة الأيام، ويجعل من نهر الخوابي مقصدًا محببًا للعائلات وعشاق الطبيعة.
ورغم ما يتمتع به من جمال، ما زال النهر يحتفظ بعفويته وبساطته. فلا الأبنية المرتفعة تحجب الأفق، ولا الضجيج يطغى على أصوات الماء والطيور. وكل ما يحيط بالمكان يوحي بأن الطبيعة ما زالت تمضي بإيقاعها الأول، كما كانت منذ عشرات السنين.
ولم تقتصر أهمية نهر الخوابي على قيمته الجمالية فحسب، بل شكّلت مياهه على الدوام مصدرًا حيويًا لري البساتين والحقول المحيطة، وأسهمت في ازدهار الزراعة التي تشتهر بها المنطقة، حيث تنتشر أشجار الزيتون والجوز والتين والرمان، لتكتمل صورة الريف الساحلي بأبهى تفاصيلها.
وعندما تغادر نهر الخوابي، لا تحمل معك صورة واحدة، بل فسيفساء من المشاهد التي يصعب نسيانها؛ انعكاس الغابة على صفحة الماء، وصوت الخرير وهو يتردد بين الصخور، وبرودة النسيم التي تلامس الوجه في عز الصيف. إنه مكان لا يسعى إلى لفت الأنظار، ومع ذلك يظل حاضرًا في الذاكرة، لأن الجمال الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج كي يرُى بل يكفي أن يُعاش

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

