آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حسيبة صالح: ما وراء السطور حكاية الإنسان…الأديبة والإعلامية السورية وحديث خاص لموقع أخبار سورية الوطن حول الثقافة والكتابة والكتاب 

حسيبة صالح: ما وراء السطور حكاية الإنسان…الأديبة والإعلامية السورية وحديث خاص لموقع أخبار سورية الوطن حول الثقافة والكتابة والكتاب 

 

 

حاورها: علي نفنوف

 

ما أجمل أن تحاور أصحاب الفكر والأخلاق، وخصوصاً إذا كان لك معهم أكثر من تجربة، وكانوا عنواناً لكل أدب وجمال ووفاء.

 

أذهب إلى هذا الحوار مع الأديبة والإعلامية حسيبة صالح، وأنا لست حيادياً؛ لأن لها مكانة عالية في خاطري، ومودة ورهبة الأدب.

 

في الثقافة مسافة خفية بين أن نرى العمل الإبداعي وأن نرى الإنسان الذي يقف وراءه. قد نقرأ قصيدة ونظن أننا اقتربنا من صاحبها، أو نتأمل لوحة ونحسب أننا أمسكنا بسرها، فيما تبقى خلف الكلمات والألوان حكاية أخرى، أكثر التباساً وثراءً، تتشكل من الذاكرة والخسارات والأسئلة التي لا تجد دائماً طريقها إلى العلن. ولعل الاقتراب من هذه المسافة هو ما يمنح تجربة ضيفتنا خصوصيتها، وهي تتنقل بين الصحافة الثقافية والكتابة وإعداد البرامج، وتبحث عن الصلة التي تجمع الإبداع بحياة الناس.

 

من دمشق، حيث تتجاور الذاكرة الثقافية العريقة مع أسئلة الحاضر المثقل بالتحديات، تتابع حسيبة صالح الأمسيات الأدبية ومعارض الفن التشكيلي وحفلات الموسيقى الكلاسيكية، وتجد في هذه المساحات وجوهاً متعددة لحاجة الإنسان إلى الجمال. وفي برنامجها «رحلة بين السطور» تنتقل بالكتاب إلى فضاء الصورة الرقمية، محاولةً أن تفتح أمامه نوافذ جديدة للوصول إلى القارئ، من دون أن تفقد القراءة هدوءها وعمقها.

 

حين سألناها عن المشهد الثقافي السوري اليوم، وكيف يستطيع السوريون مواصلة البحث عن الجمال وسط ما يواجهونه من ضغوط وتحديات، اختارت حسيبة صورة مدينة تنهض كل صباح رغم التعب. صورة تختصر، في نظرها، شيئاً من قدرة الثقافة على إبقاء نوافذ الروح مفتوحة، مهما اشتدت قسوة الواقع.

 

تقول إن هناك شغفاً لا يمكن كسره، ورغبة لدى السوريين في التقاط لحظة جمال واحدة تكفيهم لمواجهة يوم كامل من الضغوط. ففي الأمسيات الأدبية ترى لغة تبحث عن خلاص، وفي المعارض التشكيلية ألواناً تحاول أن تقول ما لا يقال، أما حفلات الموسيقى فتمنحها إحساساً بأن الجمهور يريد أن يتذكر أن الحياة ليست حرباً فقط.

 

وتضيف أن السوريين يواصلون البحث عن الجمال لأنهم يرفضون الاستسلام، ولأن الفن بالنسبة إليهم ضرورة روحية، لا ترفاً يمكن تأجيله إلى حين تتحسن الظروف. ومن هذه الرؤية تحديداً، يمكن فهم اهتمامها بالصحافة الثقافية، باعتبارها وسيلة لإعادة وصل الناس بما يمنح حياتهم معنى، لا مجرد نافذة لنقل أخبار الفعاليات.

 

لكن الوصول إلى الجمهور يظل أحد التحديات التي تواجه الصحافة الثقافية، خصوصاً حين تبدو لغتها محصورة في دائرة من القراء المتخصصين.

وعن كيفية تجاوز هذه المسافة، توضح أنها تؤمن بأن الثقافة ليست ملكاً للنخبة، وإنما لكل من يملك قلباً يريد أن يفهم العالم. لذلك تحاول أن تكتب بلغة واضحة من دون أن تتخلى عن العمق، وأن تقدم الحدث الثقافي باعتباره قصة إنسانية قبل أن يكون مادة نقدية.

 

وتشرح فكرتها بالعودة إلى الإنسان نفسه؛ فحين تروي حكاية شاعر، أو ألم رسام، أو فرح موسيقي، يصبح القارئ أقرب إلى التجربة، ويشعر بأن الثقافة تخصه هو أيضاً. هنا، في تقديرها، ينفتح الباب أمام جمهور أوسع، لأن المدخل إلى العمل الإبداعي قد يكون أحياناً حكاية إنسانية بسيطة، تقود صاحبها إلى أسئلة أكثر عمقاً واتساعاً.

 

ومن هذا الحرص على تقريب الثقافة من الناس، نصل إلى تجربتها في برنامج «رحلة بين السطور»، حيث تنتقل الكتب من صفحاتها الورقية إلى مقاطع الفيديو. وهو انتقال يطرح سؤالاً عن قدرة الصورة على احتضان النص الأدبي، في زمن تحكمه السرعة وتتنافس فيه المواد المرئية على انتباه المتلقي.

 

تصف حسيبة هذه المعادلة بالدقيقة، وتقول إنها تبدأ بالحفاظ على روح النص، ثم تبحث عن زاوية بصرية تظهر جماله من دون أن تبتذله. وهي تختار الاقتباسات التي تحمل جوهر الكتاب، وتقدمها بنبرة هادئة تشبه القراءة نفسها. وتؤكد أن الصورة الرقمية، على الرغم من سرعتها، قادرة على حمل المعنى إذا احترمنا النص ولم نختصره إلى معلومة عابرة.

 

وعندما انتقل الحديث إلى صناعة المحتوى المرئي عن تجارب المبدعين، وما يتطلبه من أدوات لبناء علاقة وجدانية بين المشاهد والكاتب، توقفت عند ثلاثة عناصر تراها أساسية: النبرة والاقتباس والإيقاع.

 

فالنبرة، كما تقول، ينبغي أن تكون صادقة وغير مفتعلة، وتحمل احترام النص وصاحبه. أما الاقتباس، فتبحث فيه عن الجملة التي تشبه قلب الكاتب، لا العبارة الأكثر شهرة بالضرورة. ويبقى الإيقاع عنصراً حاسماً، إذ تحرص على أن يكون هادئاً ومتدرجاً، يسمح للمشاهد بأن يتنفس مع الفكرة بدلاً من الركض خلفها. وبهذه العناصر يتحول الفيديو، في تصورها، من مجرد ملخص لكتاب إلى رحلة إنسانية.

 

غير أن هذا الرهان على الصورة يقود إلى سؤال أكثر حساسية: هل تستطيع المقاطع المرئية أن تعيد الجمهور إلى الكتاب الورقي، أم أنها قد تتحول، مع الوقت، إلى بديل عنه؟ تجيب بأنها ترى في الفيديو جسراً لا بديلاً، مشيرةً إلى أن عدداً من المتابعين يكتبون إليها ليخبروها أنهم اشتروا الكتاب بعد مشاهدة الحلقة، أو عادوا إلى قراءته من جديد.

 

وتختصر علاقتها بهذه التجربة بقولها إن الفيديو يفتح الباب، لكن الكتاب يبقى البيت الحقيقي للمعرفة. وهي تحرص على تذكير المشاهد بأن القراءة ليست عادة فحسب، وإنما علاقة تتكون مع الوقت، وتمنح الإنسان فرصة للتأمل والعودة إلى الأسئلة التي تتركها النصوص في داخله.

 

ولعل هذا الإيمان بالعلاقة الإنسانية التي تنشأ بين القارئ والكتاب يفسر انتقال اهتمامها إلى قضايا المرأة وصورتها في الأدب العربي. فعندما سألناها عما إذا كان الأدب قد أنصف المرأة، اتجهت إجابتها إلى طبيعة حضورها في النصوص، وإلى الفارق بين الكتابة عنها ومنحها المساحة الكافية لكي تحكي ذاتها.

 

ترى حسيبة صالح أن الأدب العربي حاول الاقتراب من قضايا المرأة، لكنه لم يصل بعد إلى المساحة التي تستحقها. فما زالت بعض النصوص، بحسب رأيها، تدور في فلك الشعارات، في حين تحتاج المرأة إلى سرد حقيقي يروي وجعها وقوتها وتناقضاتها. ومع ذلك، تلفت إلى أصوات جديدة تكتب بجرأة، وتكسر القوالب، وتعيد تشكيل صورة المرأة بعيداً عن المثالية أو اختزالها في دور الضحية.

 

وفي هذا الموقف ما يتجاوز الدفاع عن حضور المرأة في الأدب إلى المطالبة بحقها في أن تظهر بكامل إنسانيتها، بعيداً عن الصور الجاهزة التي قد تفرضها الكتابة عليها، حتى حين تتحدث باسمها. فالمرأة التي تستحق أن تكون موضوعاً للأدب هي أيضاً صاحبة الحكاية والرؤية والصوت.

 

وحين سألناها عن المساحة التي تجد فيها ذاتها بين الكتابة والعمل الصحفي وإعداد البرامج ومقالات الرأي، جاءت إجابتها لتكشف عن اختلاف الأدوار التي تؤديها هذه التجارب في حياتها. تقول إنها تجد نفسها في الكتابة أولاً، لأنها تمنحها مساحة لا حدود لها، تستطيع من خلالها أن تقول ما لا تستطيع قوله في تقرير أو فيديو.

 

ومع ذلك، لا تنفصل الكتابة عندها عن التجربة الميدانية؛ ففي العمل الصحفي تتعلم من الناس، ومن تفاصيلهم الصغيرة، ومن قصصهم التي لا تُنشر. أما البرامج، فتمثل مساحة للبوح والحديث المباشر مع الجمهور، وتمنحها حرية مختلفة في التواصل والتعبير.

 

وهكذا تبدو الكتابة مركزاً تتقاطع عنده تجاربها المتعددة، فيما تمنحها الصحافة والبرامج طرقاً أخرى للإصغاء إلى العالم ونقل ما تلتقطه منه. ولعل تعدد هذه المساحات هو ما يجعل سؤال الاستمرار والتجدد حاضراً في تجربتها، خصوصاً مع ما حصلت عليه من تكريمات وشهادات فخرية من منصات عربية.

 

وعن دلالة هذه التكريمات، وما إذا كانت تعني الوصول إلى مرحلة قطف الثمار، تقول:

 

إن التكريم جميل، لكنه لا يعني الوصول. فهي تنظر إليه باعتباره رسالة مسؤولية أكثر منه احتفالاً، لأن كل تكريم يدفعها إلى مراجعة ما أنجزته والتساؤل عما تستطيع تقديمه لاحقاً.

 

وتضيف أن كل تقدير يعيدها إلى سؤالين: هل ستتمكن من الحفاظ على المستوى الذي وصلت إليه؟ وهل ستقدم ما هو أعمق؟ وتعترف بأن الخوف حاضر في هذه المراجعة، لكنها تصفه بالخوف الجميل الذي يدفعها إلى العمل أكثر، ويجعل الإنجاز بداية لمسؤولية جديدة، لا محطة للاكتفاء.

 

وفي ختام الحوار، سألناها عن مشروعها الإبداعي المقبل، فجاءت إجابتها لتعيدنا إلى الفكرة التي رافقت حديثنا منذ البداية: الإنسان الذي يقف خلف العمل الإبداعي، وما تتركه الحياة في النصوص من آثار قد لا تظهر على سطحها.

 

تكشف حسيبة صالح أنها تعمل على مشروع جديد يجمع بين القراءة البصرية والسرد الإنساني، ويقترب من حياة الكتّاب أكثر مما يقترب من كتبهم. وهي لم تفصح بعد عن تفاصيل المشروع، لكنها تشير إلى أنه سيكون مساحة أوسع للبوح والحديث عن الإنسان خلف النص، لا النص وحده.

 

هكذا تنفتح تجربتها على أفق جديد، يتجاوز قراءة الكتب إلى محاولة اكتشاف العوالم التي صنعت أصحابها، والاقتراب من تلك المسافة التي لا تكشفها الصفحات دائماً. فخلف كل نص حياة كاملة، وخلف كل كاتب أسئلة وذكريات وتجارب قد تمنحنا، حين نقترب منها، طريقة أخرى لقراءة ما كتب.

 

وربما هنا تكمن قيمة الرحلة التي تخوضها بين السطور؛ في ذلك الإصغاء لما يقوله الأدب، وما تهمس به الحياة من خلفه، وفي الإيمان بأن الثقافة تظل أكثر قدرة على الوصول إلينا حين تعيدنا إلى الإنسان.

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ياسمين صبري ومعتصم النهار في فيلم «نصيب».. قصة حب ومفاجآت وموعد العرض

بدأ العد التنازلي لعرض فيلم «نصيب»، الذي يجمع الفنانة المصرية ياسمين صبري بالنجم السوري معتصم النهار، بعدما كشف صنّاع العمل عن البوستر الرسمي، تمهيداً لانطلاقه ...