آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » استقالات أم إقالات أم هروب من المسؤولية؟!

استقالات أم إقالات أم هروب من المسؤولية؟!

 

بقلم: محمد الخطيب

 

اعتدنا أن نشاهد مظاهر متنوعة للهروب من المسؤولية لدى وزراء ومديرين في النظام السابق، وكان يتم تجميلها باسم تعديلات وزارية، من دون أن يعرف الرأي العام دائماً ما إذا كانت تعالج الخلل فعلاً أم تنقل المسؤولية من مكتب إلى آخر، ويمكن إحصاء نحو تسع تعديلات وزارية في عهد حكومة العطري مثلاً.

 

أما اليوم، ومع التطلع إلى دولة تقوم على العدالة والشفافية وسيادة القانون، فإن السؤال المشروع لا يتعلق بحدوث الاستقالة أو الإقالة وحدها، بل بما يليها: ما حجم المخالفات التي جرى التحقيق فيها؟ وما الإجراءات المتخذة لاسترداد المال العام؟ وهل أُحيلت الملفات إلى القضاء؟ وما الذي أُعلن للرأي العام من نتائج؟

 

فالاستقالة أو الإقالة قد تكون إجراءً إدارياً ضرورياً، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بديل من المساءلة القضائية والمالية. فعندما تثار شبهات بشأن مخالفات إدارية أو مالية في مؤسسة عامة، لا يكفي أن يتبدل المسؤول أو يغادر منصبه، بل ينبغي أن تصدر معلومات موثقة توضح الوقائع، وتحدد المسؤوليات، وتبيّن مصير الأموال العامة إن ثبت وقوع ضرر عليها.

 

وتزداد أهمية هذا المطلب في القطاعات الحساسة، مثل النفط والآثار والمال العام. فإذا كانت هناك ملفات معلنة تتعلق بجودة المحروقات، أو بفقدان مقتنيات أثرية، أو باعتداءات على مواقع وتلال تاريخية، فمن حق الناس أن يعرفوا ما انتهت إليه التحقيقات، لا أن تبقى القضايا عناوين عابرة تنتهي بخبر استقالة أو قرار إقالة.

 

وبمعنى أوضح: ماذا عن قمة الفساد التي بلغتها المؤسسة النفطية إلى عشرات الملايين من الدولارات المنهوبة، بل إلى غش البنزين ونزف جيوب أصحاب السيارات المخروقة أصلاً في معظم الحالات؟ وما هو مصير قضية سرقة ستة تماثيل أثرية من متحف دمشق الوطني، قُدِّرت قيمتها بملايين الدولارات، وتمت إقالة المسؤول المتهم بسرقتها، وربما استعار مصطلح “أن مديرية الآثار مثل شحاطته”!

 

وينطبق الأمر أيضاً على ما يثار حول استثمار الحدائق العامة والبيوت الأثرية، أو التعديات على المواقع التاريخية. وهنا تبقى المسؤولية متصلة بوزارة الثقافة التي اتسع نطاق مسؤولياتها عن استمرار وتكرار التعديات على المواقع والتلال الأثرية، وآخرها تل السلمية الذي لا تزال تخترقه الآليات الثقيلة في وضح النهار، وعلى مرأى من الجميع، في حين ينتقل مسلسل التعديات المغلفة بمصطلح “الاستثمار” من الحدائق العامة إلى البيوت الأثرية، كما نسمع في مدينتي حمص وحماة حول ما يقال عن عرض استثمار قصر عبد الحميد الزهراوي، وتخصيص قصر صبحي شعيب لجمعية يديرها شخص متنفذ، وإسناد تنظيم معرض الكتاب إلى نفس الجمعية، ونقل تربة المسجف الأثرية لصالح فندق في دمشق بموافقة وزارة الثقافة، رغم رفض مديرية الآثار ذلك.

 

بل امتدت التعديات إلى أهم القائمين على الحماية المعنوية لتراثنا الثقافي، من خلال قرار وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل بحل مجالس إدارات جمعية العاديات في حلب والمحافظات، بعد أن ارتفعت أصواتهم احتجاجاً على التعديات على الأملاك العامة والتراث الثقافي، رغم عراقة الجمعية وتاريخها الطويل وحياديتها السياسية. وأي تغيير في مجالس إدارات الجمعيات التراثية ينبغي أن يستند إلى أساس قانوني معلن، وأن يوضح مدى توافقه مع نظامها الداخلي وحق أعضائها في اختيار ممثليهم، فاستقلال المؤسسات الثقافية والتراثية لا يناقض الدولة، بل يعزز قدرتها على حماية الهوية الوطنية وتوثيق الذاكرة الثقافية.

 

ويكفيها فخراً من قادتها العظام المرحوم الدكتور محمد قجة، الذي ترأس الجمعية على مستوى القطر لعشرات السنين قبل أن تتفرع إلى فروع في المحافظات، ويمكن العودة إلى مجالسها المنتخبة التي ضمت رجالاً كباراً في الثقافة والتراث والتاريخ والمجتمع.

 

بالمختصر المفيد: المطلوب ليس تبادل الاتهامات، بل نشر الوثائق والقرارات والنتائج، لكيلا يتحول مصطلح “الاستثمار” إلى غلاف لغوي أنيق لتغيير هوية المكان أو إضعاف الحماية المفترضة له. والاستقالة لا تمحو محضر اجتماع، والإقالة لا تعيد مالاً عاماً إن ثبت فقدانه، ولا تعيد قطعة أثرية إلى مكانها، ولا تصلح خللاً تراكم سنوات.

 

فإذا كانت الاستقالة بداية تحقيق معلن وشفاف، فهي خطوة في طريق الإصلاح. أما إذا كانت خاتمة القصة، فقد نكون استبدلنا التعديلات الوزارية” القديمة بعناوين جديدة، وبقيت المسؤولية في إجازة مفتوحة

 

(موقع اخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بين الفوضى والنظام: كيف يصنع القانون مواطناً أفضل؟

بقلم: جمعان علي العمير     ليست المشكلة في أن بعض الناس يخطئون، بل في أن المجتمع يتسامح أحياناً مع الخطأ حتى يتحول إلى سلوك ...