آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » أميركا..وتصدير المتربول الثقافي (2)

أميركا..وتصدير المتربول الثقافي (2)

مالك صقور

 

 

قلت في الزاوية السابقة، إن المتربول الثقافي في عموم الولايات المتحدة الأمريكية يختلف عن تصدير هذا المتربول الثقافي الأمريكي إلى العالم، ولا سيما بلدان الشرق الأوسط، والذي كان هدفه تعميق فكرة الإذعان، والتأكيد على منطق التبعية. وإن كان الأمريكان يتباهون بالتفوق والاستكبار، فإنهم يتعاملون مع شعوب العالم الثالث بمنطق التبعية والدونية. يمثّل هذا المتربول نمطاً آخر في خريطة المشهد الثقافي العربي المعاصر. وقد ظهر مع نهاية الحرب العالمية الثانية، حين نجح المشروع الاستيطاني الصهيوني في قلب الوطن العربي (فلسطين)، من غير حق ولا سند. والجدير بالذكر أنه بعد الحرب العالمية الثانية، تحديداً، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية بالتسلل إلى المنطقة العربية، وتركّز على مجال العمل الثقافي، انطلاقاً مما أطلق عليه بعض المنظّرين الأمريكان «البعد الرابع»؛ قاصدين بالبعد الرابع بُعداً جديداً يُضاف إلى أبعاد السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. ألا وهو البعد الثقافي، بواسطة إنشاء الجمعيات والإرساليات والسفارات ومعاهد التعليم والمجلات الدورية والمؤسسات البحثية ودور النشر والجوائز، بالإضافة إلى تصدير «الصرعات» التي أُطلق عليها اسم «الأمريكانيّة»، بواسطة أفلام (هوليوود)، وموسيقى الجاز، وجميع أنواع الطعام التي افتُتحت لها مطاعم خاصة، وزيادة تسويق الكوكاكولا وترويجها، مع تشجيع الموتيلات وسينما السيارات، إلى آخر صرعات الاستهلاك الأمريكي.

ومن الأمثلة، فقد ظهرت في مصر مجلة «المختار» – ذات الحجم الصغير المميّز والثمن الرخيص والطباعة الجيدة. هذه المجلة لعبت دوراً كبيراً في تهميش وعي القارئ العربي، كما مثّلت الترجمة العربية للمجلة الأمريكية الشهرية الشهيرة (الأكل المهضوم للقارئ)، والتي روّجت للقيم والفضيلة بأمرين: إن النجاح مرهون بلعبة الحظ والمصادفة؛ وأن العدل الاجتماعي معلّق على أريحية السادة وكرم المستعدين للتبرع والإحسان.

ولا يخفى على القارئ والمهتمين بالشأن العام ما قامت به (مؤسسة فرانكلين) بدءاً من عام 1953، أي بعد ثورة تموز في مصر، وفي احتدام اليقظة القومية، لمواجهتها واحتوائها وتحويلها وحرفها عن مسارها، ومثل ذلك كان حلف بغداد.

أما في سوريا، فقد ظهر ذلك من خلال (مؤسسة بحثية زراعية) – وكانت جنوب مدينة حلب – وهي شركة (الإيكاردا)، التي استثمرت مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية التي تُعدّ من أخصب التربة في الوطن العربي. بحجة البحوث العلمية الزراعية، ولم يخفَ على أحد مقاصد هذه الشركة وأهدافها.

أما عن الراهن، فحدّث ولا حرج، فقد اتضحت أهداف «العولمة»، التي تعني فيما تعنيه – الأمركة. وهدفها الأول هو أمركة الثقافة العالمية، والقضاء على روح الانتماء للوطن والثقافة القومية.

هذا غيض من فيض من ممارسات (المتربول الثقافي) ومقاصده التي تؤكد سيطرة النزعة الاستعمارية – التلقينية، الدالّة على أن قيم الفكر تأتي من الغرب وتعمّق من تكريس الإذعان والتبعية الفكرية، اللذين يقومان على تشريب الأفكار دون تمييز أو تمحيص وتفكير. كل ذلك لتهميش الثقافة القوية والوطنية والقضاء عليهما. وذلك لتمكين منطق التبعية والدونية، وهذا يطلقون عليه: «العقل الأسير».

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أميركا.. والمتربول الثقافي (1)

    مالك صقور   في عام 1967، تم تأسيس برنامج ثقافي في الولايات المتحدة الأمريكية، أُطلق عليه (برنامج استضافة الكتّاب العالمي) أو (البرنامج الدولي ...