عبد اللطيف عباس شعبان
يقع نبع الغمقة الشهير على بُعد 3.5 كم شمال مدينة صافيتا، وفي موقع فريد تتلاقى عند تخومه حدود أربع وحدات إدارية: مدينة صافيتا جنوباً، وبلدية الصومعة شرقاً، وبلدية الجروية غرباً، وبلدية فتاح نصار شمالاً. ومع ذلك، يتبع النبع إدارياً بلدية الصومعة، لوقوعه عند أقصى حدودها الغربية.
والنبع موسمي، يمتاز بغزارة مياهه خلال أشهر عديدة من أواخر الخريف حتى بدايات الصيف. وعلى مقربة منه نبعان آخران؛ أحدهما على بُعد أمتار إلى يمينه، والآخر على بُعد نحو 120 متراً شرقاً. ويفصل الطريق العام بين النبع وفوهة مغارة جوفية صخرية كبيرة تمثل المجرى الجوفي الأولي لمياه الينابيع الثلاثة. وقد فاضت المياه من هذه الفوهة في سنوات سابقة، وأغلقت الطريق العام لساعات نتيجة غزارة التدفق الذي تجاوز قدرة الينابيع على التصريف.
وتصب مياه الينابيع الثلاثة في مجرى نهر الغمقة، الذي يحمل اسم النبع المجاور لحرمه، قبل أن يتجه نحو البحر ليصب فيه عند المدخل الجنوبي لمدينة طرطوس، بعد مسافة تقارب 25 كم.
*قيمة تاريخية وإنتاجية تستحق الاهتمام
تتجلى الأهمية التاريخية والإنتاجية للنبع في أنه أتاح، قبل أكثر من قرن، إقامة ثلاث طواحين مائية للحبوب، كانت دواليبها تدور بقوة المياه المتدفقة من علو، قبل انتشار الطواحين الحديثة. وتقع طاحونتان على بُعد أمتار من النبع، وكانتا تتغذيان من مجرى مائي واحد يتفرع إليهما، شُيّدت جوانبه بالحجر والكلس. أما الطاحونة الثالثة، فتقع على بُعد نحو كيلومتر إلى الغرب، وكانت تتغذى من مجرى خاص يمتد بمحاذاة النهر، ومبنيّ بالطريقة ذاتها.
وقد خدمت هذه الطواحين عشرات القرى على مدى عقود، حتى أواخر خمسينيات القرن الماضي، حين أدى انتشار الطواحين الحديثة إلى توقفها عن العمل.
ولا تزال أبنية الطواحين قائمة، رغم ما أصابها من تصدّع وتخريب، كما بقيت أجزاء من مجاري المياه واضحة المعالم، في حين كادت معالم المجرى المؤدي إلى الطاحونة الغربية تختفي. وأسهم تعدد المالكين والورثة وغياب الاهتمام بالترميم في تحول هذه المنشآت إلى شواهد تاريخية مهددة بالاندثار.
وتبرز الأهمية الاقتصادية للنبع مجدداً في الاهتمام الرسمي بالاستفادة من مياهه التي تذهب هدراً نحو البحر، إذ أُعدّت دراسات لإقامة سد على النهر، ولا تزال، وفق المعلومات المتاحة، قيد التدقيق والمراجعة لتحديد الموقع الأنسب.
*تحسينات تطوعية تستحق الشكر
من الجوانب الإيجابية أن حرم النبع، الذي تبلغ مساحته نحو أربعة دونمات، متاح للزوار مجاناً ومن دون قيود، بما في ذلك السباحة في مياهه، فيما تقع المقاصف المجاورة خارج حدوده.
وقبيل شتاء عام 2024، بادر عدد من أصحاب الأيادي البيضاء من قرى البلديات المجاورة إلى تنفيذ تحسينات تطوعية في الحرم، بمشاركة عشرات المتطوعين. وشملت الأعمال إزالة قسم كبير من الأشواك المحاذية لسواقي المياه، وإنشاء قوس حجري بعرض أربعة أمتار وارتفاع متر ونصف، أتاح عبور الساقية الكبيرة إلى القسم المقابل من الحرم.
كما جُمعت الحجارة وشُيّدت حواجز أتاحت إنشاء مسبحين صغيرين للأطفال، ومسبح آخر لليافعين الذين يصعب عليهم استخدام مسبح الكبار الموجود عند فوهة النبع.
وقد حققت هذه الأعمال فائدة واضحة لزوار الموقع، الذين يُقدّر عددهم بالمئات يومياً، ويصل إلى الآلاف في العطل والأيام الصافية. ومع ذلك، أُثيرت اعتراضات على هذه التحسينات، ووُصفت بأنها أعمال جديدة في الموقع، ما استدعى زيارة عدد من المكلفين من الجهات الرسمية لمعاينته.
وكان الأجدر، في رأيي، أن يُنظر إلى هذه المبادرات من زاوية فائدتها العامة، مع التحقق من سلامتها ومراعاتها للأصول، وتقدير جهود المتطوعين وتشجيعهم. فمثل هذه الأعمال، لو نُفذت بتمويل رسمي، لربما بلغت تكلفتها عشرات الملايين من الليرات في حينه.
*بئر الروزنة: تحسين جديد يعالج خطراً قديماً
قبل أسابيع، شهد الموقع تحسيناً تطوعياً جديداً في بئر الروزنة، الواقعة على بُعد نحو 60 متراً شمال شرق النبع. وتؤدي فوهة البئر العلوية إلى المياه الجوفية داخل المغارة، ويبلغ عمقها نحو ثمانية أمتار، فيما تبلغ مساحة حرمها المستطيل والمنخفض نحو 40 متراً مربعاً.
وكان الرعاة قديماً يستخرجون المياه منها لسقاية مواشيهم خلال الصيف، مستعينين بجرن جانبي محفور في الصخر. لكن هذه الحاجة تراجعت مع انتشار شبكات المياه، في حين أدى الإهمال والعبث بالموقع خلال العقود الماضية إلى تهدّم رقبة البئر الحجرية، ما تسبب في سقوط زوار ووفاتهم.
وتكمن أهمية التحسين الأخير في بناء مدخل حجري للبئر وتزويده بباب من الشبك الحديدي وقفل، مع تسليم المفتاح إلى بلدية الصومعة المعنية بالموقع، بما يتيح تنظيم الدخول والاطلاع على البئر والحد من مخاطر السقوط. ويشكّل هذا العمل إضافة مهمة إلى سلسلة التحسينات التطوعية السابقة.
*تحسينات منتظرة تتطلب تعاوناً رسمياً وشعبياً
إن التحسينات السابقة والحديثة تستحق التقدير والشكر، ولا سيما عبر الصفحة الرسمية لبلدية الصومعة، والبلديات المجاورة، والجهات المعنية، وصفحات الزوار الذين لمسوا فائدتها مباشرة.
وانطلاقاً من أن البلدية المعنية أدرى باحتياجات موقعها، أقترح أن تتولى بلدية الصومعة إعداد توصيف دقيق للأعمال المنفذة، وبيان فوائدها، ورفعها إلى الجهات الأعلى، بالتوازي مع المطالبة باستكمال أعمال التأهيل، وأبرزها:
تأهيل بئر الروزنة: تنظيف حرمها من الحجارة والأعشاب، ووضع شبك حديدي آمن على فوهتها لمنع سقوط الحشرات والحيوانات البرية، بالتنسيق مع المتطوع الذي قدّم باب المدخل.
صيانة جانب الطريق العام: ترميم الجزء المتهدم المحاذي للنبع، والذي يبعد عنه نحو أربعة أمتار، بإنشاء جدار استنادي من الخرسانة أو الحجر الكبير، بطول يقارب 25 متراً وارتفاع نحو 60 سم، نظراً لما يشكله وضعه الحالي من خطر على المشاة والآليات المارة والمتوقفة.
ترميم مجرى المياه القديم: تعزيل المجرى الذي كان يغذي الطاحونتين المجاورتين وترميمه، بما يسمح بانسياب المياه فيه مجدداً، ويعيد إلى الموقع جانباً من جماله البيئي والتراثي.
إظهار معالم الطواحين التاريخية: تنظيف محيط الطواحين ومداخلها من أشواك الديس والأعشاب التي تكاد تخفيها، بما يتيح للزوار مشاهدتها من مختلف الجهات، ويمهّد للحفاظ عليها بوصفها جزءاً من التراث المحلي.
ختاماً، فإن نبع الغمقة ليس مجرد موقع طبيعي يقصده الزوار للسباحة والاستجمام، بل هو مورد مائي ذو قيمة بيئية واقتصادية، وموقع يحمل شواهد تاريخية تستحق الحماية. ومن هنا، فإن المطلوب أن تكون الجهات الرسمية المعنية صاحبة الدور الأساسي في تنظيم أعمال التأهيل المقبلة، بالتعاون مع المبادرات الشعبية، وأن تحظى جهود المتطوعين بالتقدير والدعم، حفاظاً على هذا الموقع وخدمته للأجيال القادمة.
*الكاتب:عضو جمعية العلوم الاقتصادية – عضو اتحاد الصحفيين

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

