بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة مدير المركز السوري للدراسات القانونية
يُروى أن الرئيس شكري القوتلي، أثناء إتمام الوحدة بين سورية ومصر، قال للرئيس جمال عبد الناصر:
«أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس… أنت أخذت شعباً؛ كل من فيه يعتقد أنه سياسي، ونصفه يعتقد أنه زعيم، وربعه يعتقد أنه نبي، وعشرة بالمائة على الأقل يعتقدون أنهم آلهة».
وبصرف النظر عن مدى صحة نسبة هذه العبارة إلى السيد شكري القوتلي، فإنها تعبّر عن شيء مهم من طبيعة سورية السياسية آنذاك: مجتمع حي، وأحزاب، وصحافة، ونقابات، ونقاش عام، ومواطن يشعر بأن له حقاً في المشاركة وصناعة القرار.
وكان لقيام الوحدة ثمن:
1. شروط كارثية وضعها عبد الناصر لقبوله قيام الوحدة: حلّ الأحزاب السياسية وتقييد الصحافة، مقابل قبوله الوحدة.
2. خطأ كارثي ارتكبته القيادة السورية بقبولها هذه الشروط.
وساد الأسلوب الأمني في قمع الحريات، ثم فشلت الوحدة، وخسرنا الحياة السياسية والصحافة الحرة.
اليوم، ينبغي أن نستفيد من تلك التجربة القاسية، وألا نقع في الحفرة ذاتها مجدداً
فعندما تُغلق الأبواب أمام الأحزاب، تبدأ أبواب أخرى بالانفتاح: الطائفة، أو العشيرة، أو القومية، أو المنطقة، أو الجماعة الدينية، أو أي رابطة اجتماعية أخرى.
وهنا يجب أن نكون واضحين:
المشكلة ليست في وجود هذه الروابط الاجتماعية، فهي جزء من المجتمع ويجب احترامها، وإنما في أن تتحول إلى بديل عن الدولة والأحزاب والمؤسسات السياسية الوطنية.
فالدولة الحديثة تُدار بالمؤسسات والقانون، من خلال الكيانات التالية:
1. أحزاب سياسية وتعددية، تنظم المشاركة الجماهيرية وتقدم البرامج والقيادات.
2. نقابات واتحادات ومنظمات مجتمع مدني، تدافع عن المصالح والحقوق وتراقب الأداء العام.
3. إعلام وصحافة حرة ومستقلة، تلتزم بقضايا الجماهير وتسلّط الضوء على مواطن الخلل.
لذا قلنا سابقاً ونكرر القول مجدداً:
إن الأولوية التشريعية أمام مجلس الشعب الجديد تبدأ بإقرار ثلاثة قوانين تشكل، بمجموعها، مدخلاً موضوعياً لحياة سياسية سليمة، وهي:
أولاً: قانون الأحزاب السياسية
ليُفتح المجال أمام التعددية السياسية والتنافس السلمي، وليصبح الوصول إلى السلطة حقاً سياسياً يُمارس عبر البرامج والانتخابات، لا عبر القوة أو النفوذ أو الولاءات.
ثانياً: قانون الانتخابات العامة
لضمان انتخابات حرة ونزيهة وشفافة، تعبّر عن الإرادة الشعبية الحقيقية، وتمنح المواطن القدرة على اختيار ممثليه ومحاسبتهم.
ثالثاً: قانون الإعلام والمطبوعات
لضمان حرية الصحافة والتعبير، وتحويل الإعلام من أداة بيد السلطة إلى مساحة عامة تخدم المجتمع وتراقب أداء الحكام.
ملاحظة:
في المرحلة الانتقالية، لا يمكن تجاهل مسألة العزل السياسي، خصوصاً تجاه من تثبت مسؤوليتهم عن جرائم أو انتهاكات جسيمة أو تقويض النظام الديمقراطي، ومكان تنظيمه الطبيعي هو ضمن منظومة القوانين الثلاثة المذكورة، كونها الناظمة للحياة السياسية والانتخابية والإعلامية.
الخلاصة
يجب أن نتعلم من التجربة السورية أثناء الوحدة أن إلغاء الأحزاب وتعطيل الصحافة يساهمان في التأسيس لدولة أمنية وخلق نظام قمعي، كالنظام الأسدي الذي ثار عليه الشعب السوري.
وبناء سورية الجديدة، موحدة وقوية ومستقرة، يقتضي أولاً بناء حياة سياسية حرة ومنظمة؛ لأن غياب السياسة لا يصنع الاستقرار، بل يصنع الانفجار المؤجل
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

