بقلم: القاضي حسين حمادة
اختلطت الدلالات العلمية لبعض المفاهيم السياسية والقانونية نتيجة تداولها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تدقيقٍ في معانيها الحقيقية، فأصبح النقاش العام، في كثير من الأحيان، أسيرَ الشعارات والانطباعات أكثرَ منه قائماً على الفهم الموضوعي للواقع.
ومن أبرز صور هذا الخلط ما يلي:
أولاً: الخلط بين مرحلة الانتقال السياسي ومرحلة الاستقرار السياسي
مرحلة الانتقال السياسي هي مرحلة استثنائية ومؤقتة تهدف إلى تفكيك بنية النظام السابق، ومعالجة آثاره السياسية والقانونية والمؤسساتية، ووضع الأسس التي يقوم عليها النظام الجديد.
أما مرحلة الاستقرار السياسي، فهي المرحلة اللاحقة التي تأتي بعد إنجاز متطلبات الانتقال، وتهدف إلى ترسيخ الشرعية الدستورية، واستكمال بناء المؤسسات، وتكريس القواعد السياسية والقانونية الناظمة للحياة العامة.
ثانياً: الخلط بين مفهوم الدولة ومفهوم الحكومة (السلطة)
الدولة كيان دائم يتكون من الشعب والإقليم والسيادة والمؤسسات العامة، وهي الإطار الجامع للمجتمع بأسره.
أما الحكومة، أو السلطة التنفيذية، فهي هيئة مؤقتة تتولى إدارة شؤون الدولة لفترة زمنية محددة وفقاً للقانون. ولذلك فإن نقد الحكومة أو تغييرها لا يعني بالضرورة المساس بالدولة أو إضعافها، بل قد يكون جزءاً من آليات تطويرها وتصحيح مسارها.
ثالثاً: الخلط في القياس بين النظام البائد ونتائج الثورة
الثورة هي فعل تغيير يهدف إلى إزالة واقع فاسد أو مستبد واستبداله بواقع أفضل. ومن ثمّ، لا يجوز تقييم الثورة بمعايير النظام الذي ثارت عليه، بل بمدى نجاحها في تحقيق الأهداف والمبادئ التي أعلنتها، وبمقدار ما أحدثته من تقدم نحو الحرية والعدالة والكرامة وسيادة القانون.
رابعاً: الخلط بين الشرعية الثورية والشرعية الديمقراطية
تنشأ الشرعية الثورية في ظروف استثنائية نتيجة سقوط النظام القائم أو فقدانه لمشروعيته، وتستمد أساسها من واقع التغيير ومن التزام القيادة الثورية بالمبادئ والأهداف التي أعلنتها.
أما الشرعية الديمقراطية، فتستند إلى الإرادة الشعبية المعبَّر عنها من خلال انتخابات حرة ونزيهة، وإلى المؤسسات الدستورية الدائمة التي تنظم تداول السلطة وممارستها.
خامساً: الخلط بين المعارضة السياسية والخيانة الوطنية
المعارضة السياسية جزء طبيعي وضروري من أي نظام سياسي سليم، وهي تسعى إلى تقديم بدائل للسلطة القائمة، وممارسة الرقابة عليها، ونقد سياساتها.
أما الخيانة الوطنية، فهي أفعال محددة تمس أمن الوطن أو سيادته أو مصالحه العليا، ولا يجوز الخلط بينها وبين ممارسة حق الاختلاف السياسي أو النقد المشروع؛ لأن ذلك يؤدي إلى إضعاف الحياة السياسية وإغلاق المجال العام.
سادساً: الخلط بين الاقتتال الأهلي والصراع مع النظام المستبد
الاقتتال الأهلي هو صراع يدور بين مكونات المجتمع الواحد على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية أو سياسية متقابلة.
أما صراع الشعب مع السلطة المستبدة، فهو صراع يهدف إلى تغيير السلطة أو التخلص منها عندما تمنع المواطنين من ممارسة حقوقهم وحرياتهم.
ومن هذا المنطلق، فإن توصيف الأحداث في سوريا يقتضي التمييز بين مفهوم الاقتتال الأهلي ومفهوم الصراع الشعبي ضد نظام أمني استبدادي؛ لأن تحديد طبيعة الصراع بدقة ينعكس مباشرة على فهم أسبابه ونتائجه والحلول الممكنة له.
سابعاً: الخلط بين مفهوم المصور والإعلامي والمحلل السياسي والمحلل الاستراتيجي والخبير
المصور يوثّق المشهد، والإعلامي ينقل الخبر، والمحلل السياسي يفسر الحدث، والمحلل الاستراتيجي يستشرف المستقبل، أما الخبير فيقدم الرأي المتخصص.
وتبدأ المشكلة عندما يظن أحدهم أن امتلاك صورة أو معلومة أو حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي يجعله تلقائياً إعلامياً أو محللاً أو خبيراً.
الخلاصة
إن بناء وعي سياسي وقانوني سليم يبدأ من ضبط المصطلحات وتحديد مدلولاتها بدقة؛ لأن كثيراً من الأزمات الفكرية والجدالات العقيمة لا تنشأ من اختلاف الوقائع ذاتها، بل من اختلاف فهم الكلمات والمفاهيم التي نصف بها تلك الوقائع.
فوضوح المصطلحات شرطٌ أساسي لسلامة الحوار العام وصحة الحكم على الأحداث
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
