فقار فاضل
يدخل رئيس الوزراء العراقي المُكلّف، علي الزيدي، واحدة من أعقد عمليات تشكيل الحكومة منذ سنوات. وإذ تحرص إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على إبداء دعمها لتلك العملية، فإن هذا الدعم لا يبدو مجانياً أو مفتوحاً، بل هو مشروط بسقف سياسي وأمني، عنوانه إعادة ترتيب ملف فصائل المقاومة المسلحة و»حصر السلاح بيد الدولة». وبين هذا السقف الخارجي، وواقع داخلي شديد التعقيد، يجد الزيدي نفسه أمام اختبار توازن دقيق سيحدّد شكل المرحلة المقبلة في العراق.
وفي حين تمتلك الفصائل تمثيلاً برلمانياً وازناً يُقدّر بنحو 90 مقعداً، فضلاً عن حضورها التنفيذي وتأثيرها الشعبي، فإن هذا الواقع يجعل من فكرة إقصائها أو الضغط عليها للتنازل عن مواقعها داخل الحكومة أمراً بالغ الصعوبة، بل قد يهدّد الاستقرار السياسي برمّته. وخلال الأيام الماضية، برزت تسريبات عن ما سُمّي «إطاراً نظرياً» يجري تداوله داخل «الإطار التنسيقي»، يتضمّن مقاربات لإعادة هيكلة هيئة «الحشد الشعبي» وإدماج جزء من المقاتلين غير النظاميين ضمن مؤسسات الدولة. كما ترافقت هذه الأنباء مع معلومات غير مؤكّدة عن استعداد بعض الفصائل («عصائب أهل الحق» و»كتائب الإمام علي») لتسليم جزء من أسلحتها الثقيلة إلى «هيئة الحشد الشعبي». وفيما لم يصدر أيّ موقف رسمي يؤكّد هذه الخطوة، فسّرها بعض المراقبين بأنها محاولة لـ»جسّ نبض» الولايات المتحدة، أو تحسين شروط المشاركة في الحكومة المقبلة.
غير أنه بحسب مصادر مطّلعة، فإن الحديث عن تسليم السلاح لا يزال ضمن إطار نظري غير ناضج، وقد لا يتجاوز كونه محاولة لامتصاص الضغوط الخارجية، خصوصاً أن آلية التسليم المُقترحة – أي نقل السلاح إلى هيئة «الحشد الشعبي» – لا تعني عملياً خروجه من منظومة الفصائل، بل إعادة تموضعه داخلها. ويتزامن هذا الحراك مع ضغوط أميركية متزايدة، تمثّل بعضها في تعليق شحنات مالية نقدية إلى العراق خلال الفترة الماضية، قبل أن يُستأنف إرسالها لاحقاً. ويُقرأ هذا الإجراء على أنه أداة ضغط اقتصادية مُكمِّلة لتلك السياسية، خصوصاً مع ربط بعض الدوائر الأميركية بين تدفّق الدولار واستجابة بغداد لمطلب تفكيك الفصائل أو الحدّ من نشاطها.
وهكذا، يجد الزيدي نفسه أمام معادلة مُركّبة: الحفاظ على الاستقرار المالي من جهة، وعدم تفجير صراع داخلي مع الفصائل من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يعتبر عضو المكتب السياسي لحركة «النجباء»، مهدي الكعبي، أن الزيدي «في موقف حرج بسبب الدعم الأميركي، الذي يضعه في زاوية ضيقة أمام قوى الداخل». ويؤكّد، لـ»الأخبار»، أن «فصائل المقاومة لن تتخلّى عن سلاحها، ولن تنسحب من مشروعها، حتى وإن شاركت في العملية السياسية»، مضيفاً أن «السلاح بالنسبة إلى هذه الفصائل مرتبط بمفهوم السيادة والدفاع عن البلاد، وليس مجرّد ورقة تفاوض».
كذلك، ينفي قيادي في أحد الفصائل، في حديث إلى «الأخبار»، وجود أيّ نية لتسليم السلاح مقابل المشاركة في الحكومة، مؤكداً أن «المشاركة السياسية لا ترتبط بأيّ شروط تتعلّق بالسلاح»، وهو ما يعزّز الفرضية القائلة إن كلّ ما يُطرح حالياً لا يزال في إطار المناورة السياسية أكثر من كونه تحوّلاً استراتيجياً.
وفي المقابل، يرى مدير مركز «الرفد للدراسات السياسية»، عباس الجبوري، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الزيدي يمتلك فرصة حقيقية لإدارة التوازن، مستفيداً من الدعم الدولي والإقليمي، إضافة إلى حالة شبه إجماع سياسي داخلي على تكليفه». ويعتقد أن «ملف السلاح يمكن أن يُعالج تدريجياً وبهدوء بعد تشكيل الحكومة، من خلال تفاهمات سياسية وليس عبر الصدام»، لافتاً إلى أن الفصائل «تمتلك شرعية نابعة من دورها السابق في مواجهة التهديدات الأمنية، ما يجعل التخلّي عن سلاحها أمراً غير سهل».
ومن جهته، يعتبر أستاذ العلوم السياسية، علي الشمري، أن «الحكومة المقبلة ستُشكّل ضمن تسوية مرحلية، تقوم على تجميد الصدام بدلاً من حسمه». ويلفت، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «الولايات المتحدة تدفع في اتجاه تقليص نفوذ الفصائل، فيما تعمل إيران على الحفاظ على هذا النفوذ ضمن حدود لا تستفزّ واشنطن بشكل مباشر». ويضيف أن «السيناريو الأكثر ترجيحاً هو إعادة تعريف دور الفصائل، وليس تفكيكها بالكامل، وذلك عبر دمج تدريجي لبعض تشكيلاتها ضمن المؤسسات الرسمية، في مقابل الحفاظ على حضورها السياسي». ويحذّر من أنّ «أيّ محاولة لنزع السلاح بشكل كامل وسريع قد تؤدّي إلى نتائج عكسية، بما يشمل تصعيداً أمنياً أو انهيار التفاهمات السياسية». أمّا على مستوى تشكيل الحكومة، فيتوقّع الشمري أن «يعتمد الزيدي نموذجاً توافقياً يضمن مشاركة معظم القوى، بما فيها الفصائل، ولكن مع تقليص نفوذها التنفيذي بشكل غير مباشر، من خلال توزيع الحقائب السيادية والخدمية بطريقة تُوازن بين الضغوط الخارجية ومتطلّبات الداخل».
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
