خالد حرب*
عرفت سوريا في خمسينيات القرن الماضى حياة حزبية وسياسية ناشطة، شاركت فيها قوى وطنية وقومية ودينية ويسارية. وكان لهذه الأحزاب برامج سياسية مختلفة أدت دوراً وسيطاً بين الدولة السورية والمجتمع.
مع استيلاء حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في عام 1963، ألغى الحياة السياسية واستاثر بالحكم، وفي عام 1973 كرس الدستور قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، وأوجد تعددية هزيلة شكلية غير تنافسية، سميت “الجبهة التقدمية”.
خلف هذا الاحتكار للسلطة آثاراً عميقة، فأضعف الأحزاب السياسية التي انتقلت للعمل السرى أو من المنفى، وبعضها اعتنق العمل المسلح. بدأت الهويات الدينية والعشائرية والطائفية بالنمو والانتظار، وحلّت للأسف محلّ الأحزاب السياسية التى يُفترض أن تعبر عن مصالح شرائح المجتمع السورى. وصارت تلك الهويات ما قبل الوطنية ملاذاً للسوريين لتعبر عن تطلعاتهم وأحلامهم.
وتبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وإنهاء أكثر من ستة عقود من حكم البعث. فالسلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع ألغت البنية السياسية القديمة، وحُلّ حزب البعث والأحزاب التي كانت تعمل ضمن منظومته، ثم جاء الإعلان الدستوري ليعيد فتح الباب أمام تأسيس حياة سياسية مختلفة. وهنا تكمن فرصة السوريين: ألا يكتفوا بإزالة احتكار قديم، بل أن يؤسسوا لنظام يخلو من أي احتكار جديد، وأن يجعلوا الدولة وحدها مرجعية جامعة.
إن بناء حياة حزبية حقيقية في سوريا الجديدة ليس ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد تحقيق الاستقرار، إنما هو شرط للاستمرار والسلم الأهلى وبناء الدولة وإدارة الخلاف. من هنا، يحتاج تنظيم الحياة السياسية في سوريا إلى توازن دقيق بين الحرية والمساءلة، كون الحزب السياسى تنظيماً طوعياً يجمع المواطنين حول برنامج لإدارة الشأن العام بشكل سلمى وعلنى، لا يترك مجالاً للسلاح والمال السرى والتدخل الخارجى.
في هذا المعنى، يصبح قانون الأحزاب جزءاً من عملية أوسع لاستعادة السياسة من السلاح والطائفة والعشيرة. فسوريا الخارجة من حرب طويلة تحتاج إلى أحزاب عابرة للهويات الضيقة، قادرة على جمع السوريين حول برامج اقتصادية واجتماعية ووطنية، لا حول الولاءات المناطقية أو المذهبية. كما أن نجاح الرئيس الشرع في تثبيت الدولة مرهون بقدرته على تحويل الاستقرار إلى مشاركة سياسية منظمة، تسمح بالاختلاف في الرأي من داخل الدولة، لا بالخلاف على الدولة.
على قانون الأحزاب السوري أن يكون مكرساً لحماية حق المواطنين السوريين فى التنظيم السياسى والمنافسة الشريفة. لكن، إنتاج قانون الأحزاب ليس كافياً وحده لإنتاج أحزاب ديموقراطية، إنما يحتاج الأمر إلى وقت ووعى وثقافة سياسية وإعلام حر وانتخابات نزيهة ومؤسسات محايدة… لكنه يبقى الخطوة الأساسية لإنشاء بيئة تسمح بنمو الأحزاب وتحولها إلى مؤسسات فاعلة في مسيرة بناء الدولة والتداول السلمى للسلطة.
*مهندس وأكاديمي وناشط سوري
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

