يوسف فارس
يعيد جيش الاحتلال إنتاج السلوك الإبادي الذي طبع، بكلّ تفاصيله، طوال العامين الماضيين، حربَه على قطاع غزة؛ إذ ارتكب، في ساعة مبكرة من فجر أمس، أربع مجازر مروّعة بحقّ عائلات آمنة في أحياء الكرامة والشيخ رضوان وتل الهوا ومخيّم الشاطئ. وأعادت الهجمات المتزامنة التي شارك فيها عدد من الطائرات الحربية والمروحية والمسيّرات الانتحارية، إلى الأذهان، المجازر الدامية نفسها التي ارتكبها العدو عندما خرق الهدنة الأولى في 18 آذار 2025.
وفي حيّ الكرامة، طاول القصف شقة سكنية داخل بناية تؤوي العشرات من العائلات. ويروي محمود لبد، في حديثه إلى «الأخبار»، ما جرى هناك، قائلاً إن شقة شقيقته منار – التي تعمل معلمة حكومية – تعرّضت لـ«قصف من قنابل أو صواريخ تسبّبت باشتعال النيران واحتراق من كان في المنزل». ويضيف: «وصلت إلى المكان فوجدت أختي وزوجها حسن وأطفالهما تميم ومحمد ورهف محاصَرين وسط النيران، فيما كان الجيران يحاولون فتح الباب. وعندما تمكّنا من الدخول كانوا قد احترقوا بالكامل، فيما كانت أختي وزوجها مبتوري الأوصال». وإذ يشير محمود إلى الحقيبة المدرسية التي تعود إلى ابن شقيقته تميم، وإلى لعبة الطفلة رهف التي كانت تعاني «متلازمة داون»، يتابع حديثه بالقول: «وصلت طواقم الدفاع المدني والإسعاف، وانتشلت الشهداء والجرحى، لكنها اضطرّت إلى المغادرة سريعاً بسبب وقوع غارات أخرى في مناطق قريبة، بالتزامن مع قصف منزل شقيقتي».
وإلى الشرق من الحيّ نفسه الواقع شمال غرب مدينة غزة، أغارت الطائرات الحربية على شقة في عمارة سكنية تعود إلى عائلة السرحي. وأدت هذه الغارة إلى تدمير الشقّة المستهدفة بشكل كلّي، فيما أتى الخراب على المباني المحيطة، وتصاعدت رائحة الدماء واللحم البشري المحترق لتزكم الأنوف، في مشهد بدا متطابقاً مع نظيره الدامي في «الكرامة». غير أن ما يشبه المعجزة حال دون سقوط عدد أكبر من الضحايا هنا؛ إذ استشهد عبد الله كلوب وزوجته، في حين نجا أطفالهما الخمسة الذين أصيبوا بجروح متباينة. وفي مخيّم الشاطئ، استشهد المواطن عاصم شبير إثر استهداف شقّته السكنية، فيما أُصيب عشرات آخرون. أمّا في حي تل الهوا، فاستشهد محمد نعمان وزوجته بعدما طاول القصف شقّتهما بالتزامن مع الغارات الأخرى.
لا يبدو التصعيد الإسرائيلي الميداني منفصلاً عن تعثّر المسار السياسي
وفي المحصّلة، تسبّبت هذه الهجمات باستشهاد تسعة فلسطينيين، بينهم ستة من الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من عشرين آخرين بجروح متفاوتة. على أن تلك المجازر لم تكن سوى جزء من يوم دموي لم تتوقف خلاله الغارات وعمليات الاغتيال. إذ قصفت الطائرات المسيّرة سيارة مدنية في حيّ تل الهوا، كما استهدفت مساءً مركبة تابعة للشرطة الفلسطينية كانت قد أنهت تدخلاً لفضّ نزاع عائلي، قبل أن تعاود استهداف تجمّع لمواطنين في محيط «مستشفى القدس» في الحيّ نفسه.
وتشي كثافة الغارات والتركيز المتزايد على قصف الشقق السكنية بأن الاحتلال انتقل إلى مرحلة جديدة من التصعيد. وبحسب مصادر في حركة «حماس»، فإن معظم عمليات الاغتيال الأخيرة استهدفت شخصيات متوسّطة الرتبة في الأجهزة الأمنية التابعة للشرطة الفلسطينية، ما يعني أن ثمّة منهجية إبادة متواصلة تتعرّض لها البنية القيادية والأمنية للحركة في القطاع.
ولا يبدو التصعيد الإسرائيلي الميداني منفصلاً عن تعثّر المسار السياسي، وفق ما يراه مطّلعون على مسار المفاوضات التي تستضيفها العاصمة المصرية القاهرة. إذ يشير هؤلاء إلى أن الاشتراطات المطروحة، وفي مقدّمها مطالبة رئيس «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، حركة «حماس»، بتسليم كامل سلاحها قبل السماح بدخول «اللجنة الإدارية التكنوقراطية» إلى غزة لتسلّم مهامها، تستبطن وضع العصيّ في دواليب المفاوضات، حتى قبل أن تبدأ أساساً.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

