آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » ماذا وراء الانكباب الأمريكي والأوروبي والإقليمي على سوريا؟

ماذا وراء الانكباب الأمريكي والأوروبي والإقليمي على سوريا؟

 

 

بقلم: أحمد رفعت يوسف

 

فجأة استفاقت الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، ودول المنطقة، على أهمية موقع سوريا وموقفها، وكيفية العمل على إعادة إدماجها في الدورة الاقتصادية العالمية، بعد أكثر من ستة عقود من النهج الاشتراكي، وأكثر من عقدين من العقوبات، وأربعة عشر عامًا من الصراع الشرس فيها وعليها.

 

صحيح أن البداية كانت مع التغيير الدراماتيكي الذي حدث فيها قبل عام ونصف، والذي نقل تموضعها الجيوسياسي من ضفة إلى أخرى، وكانت الخطوة الأولى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تخفيف العقوبات المفروضة عليها بموجب “قانون قيصر”، ثم تبعه الاتحاد الأوروبي بإجراءات مماثلة، لكن هذا التوجه أخذ يتسارع بصورة كبيرة وملحوظة في الفترة الأخيرة، واتخذ خطوات عديدة، منها:

• دعوة الرئيس أحمد الشرع إلى قمة الاتحاد الأوروبي، التي عقدت في العاصمة القبرصية نيقوسيا، ودُعي إليها قادة دول شرق المتوسط ومصر، باستثناء تركيا. وهناك ألقى الشرع كلمة أكد فيها أن أمن أوروبا واستقرار الشرق الأوسط “لا يقبلان التجزئة”، وأن الطرفين بحاجة إلى شراكة استراتيجية مشتركة لمواجهة أزمات الطاقة والأمن والتجارة، كما أعاد طرح مبادرة “البحار الأربعة والممرات التسعة”، وقدم سوريا باعتبارها ممرًا آمنًا يربط آسيا الوسطى والخليج بأوروبا، وأن سوريا تريد التحول من “ساحة صراعات” إلى “جسر للأمان” وشريك استراتيجي لأوروبا والمنطقة.

• دعوة سوريا لحضور فعاليات مؤتمر بروكسل العاشر، في الحادي عشر من شهر أيار الجاري، بحضور دولي واسع، بوفد ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني. ومن هناك تم الإعلان عن إنهاء تعليق الاتحاد الأوروبي “اتفاقية التعاون” التجارية والاقتصادية مع سوريا، ورفع كافة العقوبات الاقتصادية عن قطاعات النفط والغاز والكهرباء، كما أُقرت حزمة مساعدات مالية بقيمة 620 مليون يورو، لدعم البنية التحتية والخدمات الأساسية، وبدء تسيير الرحلات التجارية والتبادل التجاري مع دول الاتحاد الأوروبي.

• دعوة سوريا، لأول مرة، للمشاركة في الاجتماع المغلق الذي عُقد في العاصمة الفرنسية باريس، لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة الدول الصناعية السبع (G7)، بحضور رئيس البنك الدولي والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي. ومثّل سوريا في الاجتماع وزير المالية محمد يسر برنية، الذي أكد حرص سوريا على تعزيز اندماجها في النظامين الاقتصادي والمالي العالميين، مع الإشارة إلى أن مشاركة سوريا في الاجتماع تأتي في إطار التحضيرات لقمة قادة مجموعة السبع، المقررة في حزيران/يونيو المقبل. ومن المتوقع أن تركز المناقشات على التعافي المستدام لسوريا، وإعادة دمجها في النظام المالي العالمي.

• زيارات الرئيس الشرع إلى الإمارات والسعودية.

• توسيع المبعوث الأمريكي إلى دمشق، توماس باراك، حركته المتعلقة بسوريا، حيث زار السعودية والتقى وزير الخارجية فيصل بن فرحان، وأطلق من هناك عبارة لافتة قال فيها: “إن سوريا قد تصبح مختبرًا لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل”.

 

كما ترافقت هذه اللقاءات مع حركة سياسية ودبلوماسية واقتصادية نشطة من وإلى دمشق، ومنها بشكل خاص زيارة وفد إماراتي كبير برئاسة المستثمر محمد العبار، الذي أعلن عن استثمارات ضخمة، منها سبعة مليارات في الساحل السوري، وتوقيع عقد مع شركة “شيفرون” الأمريكية للتنقيب والاستثمار في قطاع النفط والغاز في سوريا.

 

وسط هذه الحركة النشطة جدًا، من الطبيعي التساؤل عن أسباب ومبررات هذا التأكيد على أهمية دور وموقع وموقف دمشق، مع التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، والانتقال الجاري، بوسائله الباردة والساخنة، من مرحلة القطب الأمريكي الواحد إلى العالم متعدد الأقطاب.

 

وللوصول إلى إجابة عن هذه التساؤلات، يبرز عاملان أساسيان:

 

الأول: عامل ثابت

 

وهو الموقع الجيوسياسي الفريد لسوريا، على سواحل شرق المتوسط، وفي قلب بلاد الشام، وبوابة منطقة غرب آسيا، التي اعتُبرت، على مدى التاريخ، المؤشر على صعود وهبوط الإمبراطوريات والدول العظمى، والمنطقة المفتوحة على أوروبا وشمال أفريقيا.

 

وهذا يعيد تأكيد ثبات هذه القواعد في رسم خريطة توازنات القوى الإقليمية والدولية في العالم الجديد، الذي تتحدد معالمه اليوم.

 

الثاني: عامل متحول

 

وهو الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، والفشل في تحقيق النتائج التي حددتها واشنطن وتل أبيب لهذه الحرب، وما أفرزته التداعيات من ظهور أزمة مضيق هرمز، وأزمة الطاقة، وسلاسل التوريد العالمية.

 

ويعزز ذلك ما تظهره الخرائط الجيولوجية من غنى شواطئ شرق المتوسط، وخاصة الشواطئ السورية، بالنفط والغاز.

 

ومع هذين العاملين تتضح معالم الإجابة عن التساؤل حول سر الانكباب الأمريكي والأوروبي والإقليمي على سوريا؛ لأنها ليست مجرد بلد محدود بجغرافيته، وإنما تمثل حاجة لكل الدول والقوى المؤثرة إقليميًا ودوليًا.

 

فهي هدف أمريكي لا بد منه لضمان الهيمنة على السياسات والاقتصادات العالمية، وهي المحطة الأخيرة لمشروع “الحزام والطريق” الصيني، وبدونها لا وجود فعليًا للمشروع، وهي حلم المياه الدافئة بالنسبة لموسكو، وهي المنقذ لأوروبا من أزمة مضيق هرمز وتوريدات النفط والغاز، كما أنها منطقة العبور البديلة لخطوط نقل النفط والغاز الخليجي إلى الأسواق الأوروبية.

 

وهي أيضًا المرجحة لكفة الدول التي تمتلك مشاريع لتصدر المنطقة، وهي السعودية وتركيا والكيان الإسرائيلي، بالإضافة إلى الإمارات صاحبة المشروع الإبراهيمي، وهي البوصلة لإمكانية استعادة مصر لدورها.

 

ومن يضمن دمشق إلى جانبه يضمن نجاح مشروعه وطموحاته.

 

وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن سوريا اليوم تمثل أهم مشروع استثماري وتنموي للدول والشركات والمؤسسات الساعية إلى أسواق جديدة للعمل والاستثمار.

 

إن هذه الأهمية الجيوسياسية الفريدة لسوريا توضح أسباب ومبررات هذا الانكباب الإقليمي والدولي عليها، وما قيل من مواقف ومشاريع وطموحات في نيقوسيا وبروكسل وباريس وجدة وأبوظبي وغيرها من عواصم المنطقة والعالم، والتي لخصها قول المبعوث الأمريكي إلى دمشق، توماس باراك:

 

“إن سوريا قد تصبح مختبرًا لتحالف إقليمي جديد قائم على الدبلوماسية والتكامل والأمل”.

*(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسئلة ملحّة حول الوضع في حرب الخليج

    كتب محمد خير الوادي:   سألني بعض الأصدقاء: إلى أين تمضي الآن الأوضاع في منطقة الخليج بعد تجدد الضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران؟ ...