آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » مارتن لوثر كينغ… الصورة التي بقيت بعد الرصاصة(القصة 5)

مارتن لوثر كينغ… الصورة التي بقيت بعد الرصاصة(القصة 5)

 

 

بقلم:علي نفنوف

دبي

 

في مساء الرابع من نيسان 1968، كان مارتن لوثر كينغ يقف على شرفة غرفة 306 في موتيل لورين بمدينة ممفيس، تينيسي. لم يكن يعرف أن تلك الشرفة ستكون المكان الذي ستنتهي فيه حياته، وأن الصور التي ستلتقط بعد دقائق ستصبح جزءا من الذاكرة الأميركية.

جاء كينغ إلى ممفيس لمساندة عمال النظافة السود الذين كانوا يخوضون إضرابا مطالبين بأجور وظروف عمل أكثر عدلا. وقبل اغتياله بيوم واحد، ألقى خطابه الشهير «لقد كنت على قمة الجبل»، تحدث فيه عن الخطر الذي يحيط به، وعن استعداده للموت من أجل القضية التي آمن بها.

في ذلك المساء خرج إلى الشرفة، وكان حوله عدد من رفاقه، بينهم رالف أبرناثي وجيسي جاكسون وأندرو يونغ.

ثم جاءت الرصاصة.

في نحو السادسة مساء أطلق جيمس إيرل راي النار من اتجاه مبنى قريب، فأصابت كينغ إصابة قاتلة. سقط على الشرفة أمام غرفته، وتحولت اللحظة في ثوان من حديث عادي بين أصدقاء إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلاما في تاريخ الولايات المتحدة.

لكن الحكاية لم تنته عند الرصاصة.

بعد دقائق، بدأت الكاميرات تصل.

كان المصور جوزيف لوف في المكان، فرفع كاميرته والتقط صورة ستصبح من أشهر صور اغتيال كينغ. يظهر فيها جسد كينغ ممددا على الشرفة، بينما يقف رفاقه حوله، ويشير بعضهم نحو المكان الذي جاءت منه الرصاصة.

لم تكن الصورة بحاجة إلى تعليق.

كان يمكن للمشاهد أن يرى كل شيء: الرجل الذي مات، أصدقاءه المذهولين، والاتجاه الذي جاء منه الموت.

ولم يكن لوف يصور زعيما سياسيا فحسب؛ كان يصور اللحظة التي تحول فيها رجل حي إلى رمز.

*****

مارتن لوثر كينغ الابن:

 

(1929–1968) قس وناشط اميركي، وأحد أبرز قادة حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.

قاد نضالا سلميا ضد الفصل العنصري والتمييز، مستلهما فلسفة اللاعنف والعصيان المدني.

اشتهر بخطابه التاريخي «لدي حلم» الذي ألقاه عام 1963، وأصبح رمزا للمساواة والعدالة.

حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1964 تقديرا لنضاله السلمي ضد التمييز العنصري.

اغتيل في ممفيس عام 1968، لكن موته لم ينه مشروعه، وبقي أحد أكثر الشخصيات تأثيرا في تاريخ الحقوق المدنية.

****

 

الصورة وما وراءها

وصل مصور مجلة LIFE هنري غروسكنسكي إلى موتيل لورين بعد الاغتيال، فصور المكان وتفاصيله، ومنها شرفة الغرفة، وبعض المباني المحيطة، كما التقط صورا لأغراض كينغ الشخصية.

كانت هناك حقيبة فيها ملابس وكتاب وأشياء يومية.

تفاصيل صغيرة، لكنها جعلت الموت أكثر قربا.

فالرجل الذي كان قبل ساعات يخطط للغد، ترك وراءه أشياء لم يعد بحاجة إليها.

أما التحقيق في الاغتيال، فانتهى إلى اتهام جيمس إيرل راي، الذي فر من الولايات المتحدة ثم اعتقل في لندن. وفي عام 1969 أقر بالذنب وحكم عليه بالسجن 99 عاما، لكنه تراجع لاحقا عن اعترافه، وظل يؤكد أنه لم يكن القاتل الحقيقي، الأمر الذي أبقى قضية الاغتيال محاطة بنظريات وأسئلة لم تنته.

لكن الصورة لم تكن معنية بكل ذلك.

كانت تقول شيئا أبسط وأقسى:

مارتن لوثر كينغ قتل.

ماذا حققت الصورة؟

هنا تكمن أهميتها الحقيقية.

الصورة لم توقف العنصرية، ولم تصنع حركة الحقوق المدنية، ولم تكن وحدها سببا في إقرار القوانين. تلك كانت ثمرة نضال طويل شارك فيه كينغ وآلاف الناشطين ودفعوا ثمنا باهظا من الاعتقالات والدماء.

لكن الصورة فعلت شيئا لا تستطيع الخطب والقوانين فعله بالطريقة نفسها:

جعلت الموت مرئيا.

فالعالم لم يقرأ فقط أن كينغ اغتيل؛ رأى جسده، ورأى رفاقه حوله، ورأى الشرفة التي سقط عليها، ورأى بأم عينه الثمن الذي دفعه رجل اختار أن يواجه التمييز بالكلمة والاحتجاج السلمي.

وفي الأيام التالية، انتشرت الاحتجاجات وأعمال الشغب في مدن أميركية عديدة، وأصبح اغتياله صدمة وطنية. وبعد أيام قليلة، في 11 نيسان 1968، أقر الكونغرس قانون الإسكان العادل، أحد أهم قوانين الحقوق المدنية، في مناخ سياسي كان قد تأثر بقوة باغتيال كينغ والاضطرابات التي تلته.

لم يكن ذلك انتصارا لصورة واحدة، وإنما ثمرة نضال طويل؛ لكن الصورة أصبحت جزءا من الذاكرة التي جعلت موت كينغ حاضرا أمام الرأي العام.

حين تصبح الكاميرا شاهدا

في قصص الحروب والاغتيالات، كثيرا ما يطرح السؤال نفسه: ماذا يفعل المصور عندما يرى الموت؟

لكن جوزيف لوف لم يكن أمام كينغ قبل الرصاصة كي ينقذه. وصل بعد وقوع الجريمة، ولم يبق أمامه سوى أن يوثق ما حدث.

وهنا تتجلى إحدى وظائف التصوير التي كثيرا ما نغفل عنها.

المصور لا يستطيع دائما أن يمنع المأساة، لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تصبح مجرد رواية قابلة للنسيان.

قد لا تغير الصورة الحدث في لحظته، لكنها تستطيع أن تغير ذاكرته.

وهذا ما حدث مع صورة كينغ.

فبعد سنوات، لم يعد الناس يتذكرون فقط خطبه ومسيراته؛ تذكروا أيضا الشرفة.

تذكروا الجسد.

وتذكروا الرجال الذين وقفوا حوله وهم يشيرون إلى مصدر الرصاصة.

الصورة التي بقيت

كان مارتن لوثر كينغ يحلم بمجتمع لا يحكم فيه الإنسان على الإنسان بلونه.

ومات قبل أن يرى الحلم كاملا.

لكن الصورة التي التقطت بعد موته بقيت لتقول إن الرجل الذي حمل ذلك الحلم دفع حياته ثمنا له.

الرصاصة أنهت حياة كينغ في لحظة.

لكنها لم تستطع إنهاء القضية التي عاش من أجلها.

والكاميرا لم تستطع إنقاذه…

لكنها أنقذت اللحظة من النسيان.

وهنا تكمن قوة الصورة الفوتوغرافية:

أنها لا تعيد الموتى إلى الحياة، لكنها تمنحهم حياة أخرى في ذاكرة الذين يأتون بعدهم.

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جدة تستعد لليلة موسيقية تجمع هيفاء وهبي ومروان بابلو وSaint Levant وديسكو مصر

تستعد مدينة جدة لاستقبال ليلة موسيقية مميزة مساء الخميس 20 أغسطس/آب 2026، بمشاركة مجموعة من أبرز الأسماء في الساحة الغنائية، في حفل يجمع الفنانة هيفاء ...