يعمل الذكاء الاصطناعي داخل الشركات بكفاءة أكبر عندما يفهم السياق الذي يعمل ضمنه. بعض هذا السياق يمكن تحويله بسهولة إلى قواعد وتعليمات واضحة ومباشرة، بينما يمكن استخراج جزء آخر منه عبر تحليل البيانات الخام.
على سبيل المثال، وفقاً لتقرير The Economist، تقوم شركة سيلونيس الألمانية بتحليل بيانات أنظمة الشركات لفهم كيفية تنفيذ العمليات فعلياً مثل الفوترة أو المشتريات داخل المؤسسات.
المعرفة الضمنية
لكنّ هناك نوعاً من المعرفة يصعب نقله أو توثيقه، وهو الأهم: المعرفة الضمنية، أي المهارات المتراكمة من الخبرة والحدس. وقد لخّص الفيلسوف مايكل بولاني هذه الفكرة بعبارته الشهيرة: “نستطيع أن نعرف أكثر مما نستطيع أن نصف”. وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتعلم طبيعة العمل إن كان البشر أنفسهم عاجزين عن شرح أسباب قيامهم ببعض الأمور بالطريقة التي يفعلونها؟
إحدى الإجابات هي أن ذلك ليس ضرورياً بالكامل. فجزء من هذه المعرفة الضمنية يكون موجوداً بالفعل داخل البيانات التي تُدرَّب عليها النماذج. فمثلًا، مجموعة كبيرة من النصوص التسويقية الخاصة بعلامة تجارية ما قد تحمل في طياتها خبرة المؤسسة وتقديرها المهني، وهو ما يمكن للنماذج استيعابه.
وإحدى أبرز قدرات الذكاء الاصطناعي هي اكتشاف أنماط في البيانات لا يستطيع البشر وصفها بسهولة، وقد أثبت كفاءته في مجالات مثل التعرف إلى الوجوه ولعبة الشطرنج دون أن يُدرَّب عليها بشكل مباشر وصريح.
لكن في بعض الأحيان، تكون تفاصيل العملية نفسها حاسمة. فبناء جدار من الطوب، مثلًا، يعكس خبرة البنّائين الضمنية، لكن النظر إلى عدد كبير من الجدران لا يكشف بالضرورة كيفية بنائه بالطريقة المثلى. وقد قامت شركة مونومنتال إيه آي الهولندية الناشئة، التي تستخدم روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي في أعمال البناء، بمقابلة عمال البناء في بدايات تطويرها، لكن إجاباتهم كانت غالباً غامضة مثل: “هكذا اعتدت أن أفعل ذلك”، أي إنهم كانوا يعرفون أكثر مما يستطيعون شرحه.
تتبع عمل البشر
ما لم يتمكنوا من التعبير عنه بالكلمات، كشفته ساعات طويلة من تسجيلات الفيديو. فقد لاحظت الشركة مثلًا أن البنّائين يهزون أيديهم قليلًا عند دفع الطوبة. هذه الحركة البسيطة تساعد على إدخال المونة داخل مسام الطوب، ما يعزز قوة الالتصاق، ولذلك صُممت روبوتات الشركة لاحقاً لمحاكاة هذه الحركة الدقيقة.
وبناءً على ذلك، يبدو الحل الواضح هو تتبع طريقة عمل البشر بتفاصيل متزايدة الدقة. وبعض الوظائف تخضع بالفعل لمراقبة مكثفة، مثل مراكز خدمة العملاء التي تُسجل مكالماتها عادةً وتُراقب شاشات الموظفين.
ويمكن للذكاء الاصطناعي الاستفادة من هذا الكم الهائل من البيانات. لكن توسيع نطاق المراقبة الدقيقة لسلوك الموظفين يظل قضية حساسة. فقد واجهت شركة ميتا ردود فعل سلبية عندما طرحت برنامجاً يتضمن تتبع ضغطات المفاتيح وحركات الفأرة بهدف تدريب الذكاء الاصطناعي.
آليات التقييم
حتى أكثر أنظمة المراقبة تطرفًا ستظل عاجزة عن الوصول إلى ما يدور في أذهان الناس: فهم تفضيلات العملاء أو آليات اتخاذ القرار. لذلك يُطرح خيار آخر يتمثل في استخلاص معرفة الخبراء عبر آليات التقييم. ففي بعض المهام، يكون تقييم أداء الذكاء الاصطناعي سهلاً نسبياً، مثل التحقق من عمل الشيفرة البرمجية. لكن في مهام أخرى أكثر ذاتية، مثل تقييم الجوانب الجمالية للتصميم أو جودة إعداد تقرير بحثي، يصبح الحكم أكثر صعوبة. ومن خلال إشراك خبراء بشريين لتقييم أداء النماذج في هذه المعايير، يمكن تحسينها تدريجاً لتتوافق مع معايير الخبرة البشرية.
لا يوجد ما يمنع محاولة توثيق المعرفة الضمنية، فالشركات لطالما خشيت فقدان الخبرات عند مغادرة الموظفين القدامى. لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا السياق يطرح أسئلة معقدة: من يملك هذه المعرفة غير الموثقة؟ وما حدود المراقبة المقبولة؟
أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار
syriahomenews أخبار سورية الوطن

