آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » مكافحة الفساد في جسم الدولة.. “استراتيجية التطهير” تسريع الاستشفاء والتعافي

مكافحة الفساد في جسم الدولة.. “استراتيجية التطهير” تسريع الاستشفاء والتعافي

فؤاد الوادي

في الوقت الذي تواصل فيه الدولة جهودها الحثيثة للنهوض من تحت الركام الذي أفرزته عقود الاستبداد والقمع والدمار، يظهر الفساد المتجذر في مؤسسات الدولة كأحد أبرز التحديات التي لا تزال تقف عائقا أمام طريق التعافي المتخم بالعقبات والألغام التي خلفها وراءه النظام المخلوع.

لقد كان توجه الدولة الجديدة واضحا منذ البداية، وعلى لسان الرئيس الشرع، الذي أكد في آذار من العام الماضي، عقب الإعلان عن أول حكومة في الدولة الجديدة، أن أولوية الحكومة هي محاربة الفساد. وكان ذلك إشارة إلى حجم هذا الملف الضخم، وإشارة إلى البدء بتطبيق “استراتيجية التطهير” لتنظيف كل مؤسسات الدولة من لوثة الفساد المستشري بشكل صارخ وفاضح، وإلى الدرجة التي باتت عنوانا للمشهد العام في سوريا خلال حقبة “النظام الأسدي”.

منذ التحرير، انتهجت الدولة عدة مسارات ضمن استراتيجية وطنية للتعافي، واستطاعت، بعد أكثر من عام ونصف العام، أن تحقق نجاحات وإنجازات نوعية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ضمن باقة واحدة سرعان ما بدأت تظهر جليا على الأرض، وعلى مؤشرات عالمية، كمؤشر منظمة الشفافية الدولية، الذي أظهر تقدم سوريا ثلاث نقاط على مؤشر مدركات الفساد لعام 2026، ولا سيما إذا ما قورن ذلك بمؤشر عام 2024، الذي أظهر أن سوريا كانت ضمن قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم، محتلة المرتبة الرابعة كأسوأ الدول بعد حصولها على 12 نقطة فقط.

تراكم عبر عقود طويلة

ويؤكد الباحث الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، في حديث لـ”الثورة السورية”، أن الفساد في سوريا تراكم عبر عقود طويلة، ثم تضخم بصورة أكبر خلال حقبة النظام المخلوع، إلى الدرجة التي أصبح فيها جزءا من البنية اليومية للاقتصاد، من المعابر إلى الضرائب والتراخيص، وحتى الخدمات الأساسية والعقود العامة والتوظيف، حتى غدا ثقافة مجتمعية وعرفا شعبيا. وأضاف أنه لا توجد دول فقيرة فقط بسبب نقص الموارد، وإنما بسبب سوء إدارة الموارد والفساد أيضا وضعف المؤسسات.

وأوضح الزنبركجي أن سوريا تمتلك موقعا جغرافيا مهما، وموارد بشرية كبيرة، وخبرات واسعة داخل البلاد وخارجها، لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نمو حقيقي يتطلب بناء دولة قانون واقتصاد مؤسسات، لا اقتصاد نفوذ ومحسوبيات. لذلك، فإن مكافحة الفساد أصبحت قضية اقتصادية وجودية مرتبطة مباشرة بإمكانية بقاء الدولة نفسها وقدرتها على إعادة بناء الاقتصاد والمجتمع بعد سنوات الحرب والانهيار. فالاقتصادات لا تنهار فقط بسبب الحروب والعقوبات ونقص الموارد، وإنما تنهار أيضا عندما تتحول شبكات الفساد إلى نظام اقتصادي مواز يبتلع الإنتاج والاستثمار والثقة العامة.

وبيّن الزنبركجي أن الفساد في الاقتصاد لا يعني فقط سرقة المال العام كما يختصر غالبا، بل يعني أيضا ارتفاع تكلفة أي نشاط اقتصادي مشروع. فعندما يحتاج المستثمر إلى دفع رشى للحصول على ترخيص أو حماية أو معاملة قانونية عادلة، فإن تكلفة الإنتاج ترتفع، ويتراجع الاستثمار، ويتوسع الاقتصاد غير الرسمي. وعندما يشعر الموظف أو التاجر أو المواطن أن القانون لا يطبق بالتساوي، فإن الثقة بالمؤسسات تتآكل، ويتحول الاقتصاد تدريجيا إلى بيئة تقوم على العلاقات الشخصية والنفوذ بدلا من الكفاءة والإنتاجية.

إن مكافحة الفساد ليست معركة جانبية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التعافي الاقتصادي، بل هي شرط أساسي لأي تعاف حقيقي. وحتى لو دخلت استثمارات ضخمة أو مساعدات دولية أو أموال إعادة إعمار، فإن جزءا كبيرا منها سيتبخر إذا بقيت بيئة الفساد كما هي.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول التي نجحت في تحقيق قفزات اقتصادية فعلت ذلك غالبا بالتوازي مع بناء مؤسسات رقابية وقانونية قوية، وضخ الأموال أو إطلاق المشاريع.

ضمن هذا السياق، يشدد الباحث الاقتصادي على ضرورة ألا ينظر إلى الفساد اليوم باعتباره “ضريبة خفية” على المجتمع، لأن خطورته في الدول المنهكة مثل سوريا أكبر بكثير، ولا سيما أن الدولة تعاني أصلا من ضعف الموارد. فكيف إذا صاحب ذلك هدر ممنهج للموارد بسبب الرشى والمحسوبيات والتهرب والاحتكار؟ عندها تصبح الحكومة أقل قدرة على تمويل الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية، ما يقود إلى دائرة مفرغة، خصوصا أن ضعف الخدمات يزيد الفقر، والفقر يزيد قابلية المجتمع للفساد، والفساد بدوره يضعف الاقتصاد أكثر.

المشكلة في سوريا أن الفساد لم يعد مقتصرا على حالات فردية، بل تحول في بعض القطاعات إلى نمط عمل شبه طبيعي، وهذا أخطر أنواع الفساد، لأنه يصبح جزءا من الثقافة الاقتصادية اليومية.

من هنا، يعتبر الزنبركجي “الشفافية” أول خطوة حقيقية في مكافحة الفساد، فلا يمكن محاربة شيء غير مرئي. لذلك، فإن نشر البيانات المالية والموازنات والعقود الحكومية بصورة واضحة ومفتوحة يعتبر من أهم الأدوات الحديثة لمحاصرة الفساد، ولا سيما أنه في كثير من الدول الناجحة، أصبح المواطن والصحفي والباحث قادرا على تتبع الإنفاق العام إلكترونيا ومعرفة قيمة العقود والشركات المنفذة وكيفية صرف الأموال. أما عندما تبقى المعلومات محجوبة، فإن الفساد يجد بيئة مثالية للنمو.

وبحسب الزنبركجي، فإن إصلاح الرواتب في القطاع العام يعد جزءا أساسيا من مكافحة الفساد، فالموظف الذي لا يكفيه راتبه للحد الأدنى من المعيشة يصبح أكثر عرضة للرشوة والابتزاز الوظيفي. وبالتأكيد، ليس هذا مبررا أخلاقيا للفساد، لكنه يفسره اقتصاديا. لذلك، فإن أي استراتيجية جادة لمكافحة الفساد في سوريا يجب أن تترافق مع إعادة بناء نظام أجور عادل وربطه بالإنتاجية والكفاءة، لأن محاربة الفساد بالقمع فقط، دون معالجة البيئة الاقتصادية المنتجة له، غالبا ما تفشل.

لكن زيادة الرواتب وحدها ليست كافية، فالكثير من الدول رفعت الأجور وبقي الفساد قائما لأن المشكلة الأعمق كانت غياب المحاسبة. لذلك، فإن استقلال القضاء يعتبر حجر الأساس الحقيقي، ولا سيما أن المستثمر المحلي أو الأجنبي لا يهتم بمعدل الضرائب أو سعر الصرف فقط، بل يهتم أيضا بمعرفة ما إذا كان القانون سيحميه عند النزاعات. وعندما يشعر رجال الأعمال أن النفوذ أقوى من القضاء، فإن رؤوس الأموال تهرب أو تتحول إلى أنشطة قصيرة الأجل وغير منتجة.

مكافحة الفساد يمكن أن تحقق لسوريا نتائج وفوائد كبيرة

وأضاف الزنبركجي أنه، في هذا الإطار، يعتبر التحول الرقمي أيضا من أهم أدوات مكافحة الفساد الحديثة، فكلما قل الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف، انخفضت فرص الرشوة والابتزاز. لهذا، اتجهت دول كثيرة إلى الحكومة الإلكترونية والدفع الرقمي والأرشفة الإلكترونية والتوقيع الرقمي، فعندما تنجز المعاملات عبر أنظمة إلكترونية واضحة ومراقبة، يصبح من الصعب التلاعب أو طلب الرشى.

وتابع: “بالتأكيد لا يعتبر الفساد حكرا على القطاع العام، بل للقطاع الخاص حصته الكبيرة من الفساد، إذ إن بعض شبكات الفساد تقوم أساسا على تحالف بين مسؤولين ورجال أعمال يحتكرون العقود والأسواق. لذلك، فإن مكافحة الفساد في القطاع الخاص تحتاج إلى قوانين منافسة حقيقية تمنع الاحتكار وتضارب المصالح، وتلزم الشركات بالإفصاح المالي والحوكمة الداخلية. كما أن تشجيع المنافسة العادلة يقلل قدرة شبكات النفوذ على السيطرة على السوق”.

في التجارب الدولية، نجد أن الدول التي نجحت في مكافحة الفساد لم تعتمد نموذجا واحدا، لكنها اشتركت في عناصر أساسية. سنغافورة، مثلا، كانت في ستينيات القرن الماضي دولة تعاني من فساد واسع نسبيا وضعف في الموارد، لكنها بنت نموذجا صارما يقوم على استقلال أجهزة الرقابة، ورفع رواتب القطاع العام، وتطبيق عقوبات قاسية، وربط التوظيف بالكفاءة. ومع مرور الوقت، تحولت إلى واحدة من أكثر دول العالم شفافية وقدرة على جذب الاستثمار.

كذلك، قدمت جورجيا بعد عام 2004 تجربة مختلفة، لكنها لافتة جدا، فقد كانت مؤسسات الدولة شبه منهارة، وانتشرت الرشوة على نطاق واسع، خصوصا في الشرطة والجمارك، لكن الحكومة قامت بإعادة هيكلة جذرية للمؤسسات، وفصلت آلاف الموظفين الفاسدين، واعتمدت الخدمات الإلكترونية وقللت التعقيدات البيروقراطية. وخلال سنوات قليلة فقط، انخفضت الرشوة اليومية بشكل كبير، وتحسن ترتيب البلاد عالميا في مؤشرات الشفافية وسهولة الأعمال.

بالنسبة إلى سوريا، لا يمكن نسخ أي تجربة بشكل حرفي، لأن لكل بلد ظروفه السياسية والاجتماعية، لكن يمكن الاستفادة من المبادئ المشتركة. وأهم هذه المبادئ أن مكافحة الفساد لا تنجح عبر حملات موسمية أو شعارات إعلامية، بل تحتاج إلى مشروع دولة طويل الأمد يعيد بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات.

الخطوة الأكثر حساسية ستكون تفكيك الاقتصاد الريعي القائم على الامتيازات والاحتكارات. فطالما بقيت بعض الأسواق مغلقة أمام المنافسة الحقيقية، سيبقى الفساد جزءا من طريقة توزيع الأرباح والنفوذ. لذلك، فإن تحرير الاقتصاد بشكل منظم وعادل، مع رقابة قانونية قوية، يمكن أن يفتح المجال أمام قطاع خاص أكثر إنتاجية وأقل اعتمادا على العلاقات السياسية.

كذلك، فإن الإعلام الحر وحماية المبلغين عن الفساد عنصران حاسمان. ففي كثير من الدول، كانت التحقيقات الصحفية والمجتمع المدني جزءا أساسيا من كشف شبكات الفساد. أما عندما يخاف الموظف أو الصحفي أو المواطن من التبليغ، فإن الفساد يتحول إلى منظومة محمية بالصمت.

وختم الباحث الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي حديثه لـ”الثورة السورية” بالتأكيد على أن عملية مكافحة الفساد يمكن أن تحقق لسوريا نتائج أكبر بكثير من بعض القروض أو المساعدات الخارجية، لأن تقليل الهدر وتحسين الجباية ورفع كفاءة الإنفاق العام قد يوفر مليارات الليرات المهدورة سنويا. كما أن تحسين الشفافية سيزيد ثقة المستثمرين والسوريين في الخارج، ويشجع رؤوس الأموال على العودة تدريجيا.

فساد متجذر تقابله جهود حكومية لاستئصاله

وأمس، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية صدور قرارات عدة شملت كف يد 94 عاملا من مديريات المالية، وإحالة 25 من المستقيلين حديثا إلى لجنة الكسب غير المشروع، وذلك في إطار مكافحة الفساد. وأوضح أنه، في إطار جهود محاربة الفساد وتعزيز النزاهة في مديريات المالية والخدمات المالية الحكومية، اتخذت وزارة المالية عدة قرارات شملت معاقبة 256 شخصا، كما تم منع 123 شخصا من المجازين القانونيين من معقبي المعاملات من دخول مباني وزارة المالية ومديريات المالية في المحافظات كافة، وحظر أي متابعة لهم لمعاملات مالية داخل المديريات أو خارجها حتى إشعار آخر، ومخاطبة الجمعية الحرفية المعنية لإلغاء التراخيص المهنية لهم.

كما تم إلغاء تراخيص 14 من المحاسبين القانونيين، وإحالتهم إلى التحقيق وللإجراءات التأديبية أصولا، وهناك قوائم أخرى قادمة في مديريات المالية والمصارف الحكومية والمؤسسة العامة للضرائب والرسوم، ومؤسسة التأمين والمعاشات، وغيرها من الجهات التي تتبع الوزارة.

ومطلع الشهر الجاري، أصدرت وزارة المالية قرارا بكف يد 19 موظفا من العاملين في مديريتي مالية دمشق وريف دمشق، وإحالتهم إلى التحقيق وفق الأصول، ليرتفع بذلك إجمالي عدد المكفوفين عن العمل إلى 46 موظفا ضمن هذه المديريات، وذلك في إطار حملة مستمرة لمكافحة الفساد وتعزيز النزاهة في المؤسسات المالية، كما شملت التحقيقات أيضا بعض الموظفين الذين تقدموا باستقالاتهم.

وفي نيسان الماضي، أعلن الجهاز المركزي للرقابة المالية في تقرير له استرداد أكثر من 45 مليار ليرة سورية قديمة خلال الربع الأول من عام 2026، بنتيجة التحقيق من قبل فرق وكوادر الجهاز في قضايا الفساد المالي، حيث بلغ عدد القضايا قيد الإنجاز 49 قضية خلال الفترة الممتدة من 1 كانون الثاني حتى 1 نيسان 2026، في حين أنجز 16 قضية بشكل كامل.

وفي ما يتعلق بالإجراءات الاحترازية، أصدر الجهاز 40 قرار حجز احتياطي، إضافة إلى 35 كتاب منع سفر بحق متورطين في قضايا مالية. كما كشف التقرير عن حجم المبالغ المالية المكتشفة، والتي بلغت نحو 70 مليار ليرة سورية قديمة، إلى جانب 774 مليون دولار أميركي، و23 مليون يورو، ما يعكس اتساع نطاق التجاوزات المالية التي رصدت.

كما تم استرداد مبالغ مالية لصالح الخزينة العامة، شملت أكثر من 2.7 مليار ليرة سورية قديمة، إضافة إلى نحو 2.9 مليون دولار و801 ألف يورو. ويواصل الجهاز المركزي للرقابة المالية جهوده في ملاحقة قضايا الفساد ومحاسبة كل من تسبب بإلحاق الضرر بالمال العام، مؤكدا التزامه بمبادئ الشفافية وتطبيق المساءلة وسيادة القانون.

وفي شباط الماضي، أعلنت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش تحصيل أكثر من 10 مليارات ونصف المليار ليرة سورية خلال شهر كانون الثاني الماضي، وإنجاز 270 قضية خلال الفترة نفسها، حيث بلغت المبالغ المحصلة 10 مليارات و518 مليونا و540 ألفا و143 ليرة سورية، وكان قد وصل إجمالي المبالغ المطالب بتحصيلها إلى أكثر من 41 مليارا و176 مليونا خلال الشهر ذاته.

أما في ما يخص القضايا القانونية، فقد أشارت الهيئة المركزية للرقابة إلى إحالة 42 قضية إلى القضاء، وإنجاز 270 قضية أخرى، كما بلغ عدد الأشخاص المحالين إلى القضاء 401 شخص، وإحالة 23 آخرين إلى المحكمة المسلكية، ومعاقبة 325 شخصا مسلكيا.

ومطلع العام الحالي، كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية عن وجود فساد مالي تقدر قيمته بنحو 16 مليار ليرة سورية في المؤسسة العامة للإسكان خلال فترة النظام المخلوع، حيث أظهرت التحقيقات مخالفات في العقود المبرمة لدى المؤسسة، تمثلت بصرف فروقات أسعار بشكل يخالف العقود والأنظمة والقوانين النافذة.

وبيّنت تفاصيل التحقيق أن المؤسسة العامة للإسكان صرفت فروقات أسعار لمالكي شركة تعهد بناء متعلقة بتركيب مصاعد مخدمة لأبراج مشروع الادخار وسكن الشباب في محافظة اللاذقية، إضافة إلى مشروع المجمع السكني التجاري المقام على أرض المشفى العسكري “ميسلون” في محافظة حلب.

وأظهرت التحقيقات قيام اللجنة الفنية في المؤسسة باحتساب فروقات الأسعار بنسبة 100% كمبالغ مستحقة للمتعهد، حيث قدر مفتشو الجهاز الأثر المالي لهذه المخالفات بنحو 15 مليارا و800 مليون ليرة سورية عن كامل العقود لعامي 2021 و2022، مع حسم 4 مليارات و800 مليون ليرة بعد استحقاقها، والمطالبة باسترداد نحو 11 مليار ليرة سورية.

ونهاية العام الماضي، كشفت تحقيقات أجرتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فسادا ماليا بقيمة تجاوزت 25 مليون ليرة سورية، وذلك خلال جولة رقابية لإحدى فرقها على مستودع للكتب المدرسية التابعة للمؤسسة العامة للمطبوعات في دمشق. كما كشفت الهيئة المركزية عن قضايا فساد مالي في المؤسسة السورية للحبوب تجاوزت قيمتها 9 مليارات ليرة سورية، تورط فيها وزير سابق في زمن النظام المخلوع، ما أدى إلى هدر كبير للموارد العامة وتحقق مصالح خاصة.

أرقام ضخمة وتجاوزات كبيرة

وفي الرابع من تشرين الثاني الماضي، كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عن قضية فساد جمركي جديدة تتعلق بعمليات توريد مادة الحديد، بلغت قيمتها أكثر من 16 مليون دولار. وأوضحت أن التحقيقات شملت ملفا يعود إلى عام 2016، يتعلق بإدخال مادة حديد كانت ممنوعة حينها، عبر بيانات جمركية مزورة تضمنت شهادات منشأ ودمغات مزيفة لا تعكس المصدر الحقيقي للبضاعة. كما تبيّن أن الكميات المدرجة بلغت نحو 6 ملايين و236 ألف كيلوغرام من قضبان الحديد، تم توريدها إلى البلاد بطرق مخالفة للقانون.

وفي السابع والعشرين من تشرين الأول، كشفت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش اختلاسا إلكترونيا في مؤسسة الخطوط الجوية السورية بقيمة تتجاوز 65 مليار ليرة سورية.

وأوضحت الهيئة آنذاك أنه، في إطار جهودها لمكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة، تمت المباشرة بالتحقيق، بالتعاون مع هيئة الطيران المدني، في واحدة من أكبر قضايا الاختلاس الإلكتروني التي تعود إلى فترة النظام المخلوع، وذلك ضمن مؤسسة الخطوط الجوية السورية.

ولفتت الهيئة إلى أن عمليات التدقيق الأولية أسفرت عن كشف اختلاسات وأضرار جسيمة لحقت بالمال العام، تجاوزت قيمتها 65 مليار ليرة سورية، أي 5 ملايين و750 ألف دولار، نتيجة استغلال عدد من العاملين للصلاحيات الإلكترونية الممنوحة لهم ضمن نظام الحجز المركزي، حيث قاموا بإصدار وبيع تذاكر سفر، والتلاعب بالبيانات، ورفع أرصدة مالية وهمية، بالتنسيق مع أطراف أخرى.

وقبل ذلك بأيام، كشفت هيئة الرقابة عن وجود مخالفات في آلية صرف وتوزيع السيولة النقدية في أحد المصارف العامة، حيث اتخذت إجراءات فورية شملت كف يد عدد من الموظفين وإحالة المخالفات إلى التحقيق. كما تم الإعلان عن قضية فساد أخرى تتعلق بمعامل الدفاع، تجاوزت قيمتها مليون دولار.

وكانت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش أعلنت عن تحقيق تحصيلات مالية بقيمة نحو 90 مليار ليرة سورية، وإنجاز 1198 قضية، وذلك منذ سقوط النظام المخلوع وحتى نهاية شهر تشرين الثاني الماضي.

وقالت الهيئة إن هذه التحصيلات جاءت في إطار جهودها المستمرة لمكافحة الفساد المستشري من فترة النظام المخلوع، وتعزيز الشفافية وتحسين الأداء الحكومي.

ووفقا للجداول الإحصائية التي قدمتها الهيئة، تمكنت من تحصيل أكثر من 89 مليار ليرة سورية من إجمالي المبالغ المطالب بتحصيلها، والتي تقدر بأكثر من 338 مليار ليرة سورية. كما أكدت الهيئة التزامها بحماية المال العام وتحقيق العدالة.

وعلى صعيد القضايا القانونية، أحالت الهيئة 186 قضية إلى القضاء، في حين أنجزت 1198 قضية أخرى. كما تمت إحالة 1203 أشخاص إلى القضاء، إضافة إلى إحالة 127 شخصا إلى المحكمة المسلكية ومجالس التأديب، مع معاقبة 1744 شخصا في القضايا المسلكية.

وفي الـ18 من تموز الماضي، كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية وجود تجاوزات جسيمة في بعض الجهات العامة، تورط فيها عدد من المسؤولين السابقين من خلال استغلال النفوذ وتلقي رشاوى والإضرار بالمال العام خلال حكم النظام المخلوع، وبحجم ضرر تجاوز نصف مليار دولار.

كما كشف الجهاز عن تجاوزات في المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، جراء أخطاء في احتساب المعاشات التقاعدية أدت إلى صرف مبالغ إضافية بشكل غير مستحق في عدد من الفروع. وقد لاحظت فرق التدقيق، عند أخذ عينة من 18 حسابا تقاعديا، وجود فروقات صرف بزيادة بلغت 116.087.825 ليرة سورية، ما استدعى توسيع الدراسة لتشمل جميع الحالات المماثلة في باقي الفروع لضمان استرداد كل المبالغ المصروفة بشكل غير قانوني.

كما تمكن الجهاز من استرداد مبلغ 46 مليارا و790 مليون ليرة سورية، ما يعادل نحو 3.632 ملايين يورو، لصالح الخزينة العامة، وذلك بعد كشف مخالفات جسيمة في أحد عقود توريد مادة السكر التي أبرمت زمن النظام المخلوع. وأظهرت التحقيقات الرقابية أن المتعهد لم يلتزم بتسديد المستحقات المالية المترتبة عليه، بما في ذلك رسم طابع العقد بنسبة 8 بالألف من القيمة الإجمالية، نتيجة الإهمال والتقصير في متابعة حقوق الخزينة العامة.

وفي الـ12 من تشرين الثاني الماضي، كشف الجهاز المركزي، في سجل النظام المخلوع، قضية فساد جديدة تتعلق بأدوية علاج مرض السرطان منتهية الصلاحية، إذ تبين بعد التدقيق وجود تواطؤ بين المورد وبعض أمناء المستودعات والأطباء، من خلال طلب عدد كبير من الأدوية بزيادة كبيرة عن الكميات المطلوبة، رغم وجود فترة صلاحية قصيرة لها، وصرف كميات كبيرة من الأدوية خلال فترة قصيرة لمرضى ليسوا بحاجة إلى مثل هذه العلاجات، ما ترتب عليه خلال عام 2020 أثر مالي بقيمة 3 مليارات ليرة.

وفي الـ19 من تشرين الثاني الماضي، كشف الجهاز عن مخالفات في محطات لتوليد الكهرباء تتجاوز ألفي مليار ليرة، ضمن جملة من المخالفات الجسيمة في عقود التشغيل والاستثمار بعدد من هذه المحطات زمن النظام المخلوع، من بينها عقد مع إحدى شركات القطاع الخاص تعود لأحد المتنفذين في النظام، والذي امتنع عن سداد الكفالات المالية المطلوبة البالغة 10 ملايين يورو، رغم حصوله على إعفاءات واستثناءات غير قانونية مستندا إلى نفوذه، إضافة إلى استخدامه آليات المحطة الثقيلة دون دفع أجور استخدامها، التي بلغت 13 مليار ليرة. وقدر الأثر المالي المباشر لهذه المخالفات بنحو 140 مليون يورو و38 مليار ليرة، إلى جانب فوات منفعة بقيمة 2 مليون يورو.

وفي محطة حلب الحرارية، كشفت التحقيقات وجود نقص كبير في خزانات الوقود، حيث بلغ النقص بمادة الفيول 16400 طن، بما يعادل 137 مليار ليرة، إضافة إلى نقص 60 ألف ليتر من المازوت بقيمة 709 ملايين ليرة، بينما سجل نقص آخر في محطة تشرين الحرارية بمادة الفيول وصل إلى 11000 طن، تقدر قيمتها بنحو 53 مليار ليرة سورية.

كما كشفت تحقيقات أجراها الجهاز في الـ26 من تشرين الثاني الماضي عن تجاوزات حدثت زمن النظام المخلوع بعدد من فروع المؤسسة السورية للحبوب، ألحقت خسائر بالمال العام بقيمة تجاوزت ستة مليارات ليرة سورية. وأظهرت التحقيقات قيام فرع السورية للحبوب في حلب باستيفاء أجور ورسوم عتالة بشكل مخالف لقرارات وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك آنذاك، ما رتب خسائر مالية بقيمة مليار ومئة مليون ليرة سورية، إضافة إلى وجود نقص في كمية الأقماح الطرية لدى فرع السورية للحبوب في القامشلي، بلغ 870 ألف طن، بقيمة وصلت إلى 5 مليارات ليرة سورية، ومخالفات في فرن السقيلبية بمحافظة حماة، تمثلت بنقص كبير في كميات مادة الخميرة، إضافة إلى نقص 1300 ليتر من مادة المازوت، ما رتب خسائر مالية بقيمة 54 مليون ليرة سورية.

وفي العاشر من كانون الأول الماضي، كشفت تحقيقات أجراها الجهاز عن فساد مالي في ما تسمى “دار البعث” سابقا، التي كانت زمن النظام المخلوع، بنحو ثمانية مليارات و490 مليون ليرة. وأظهرت التحقيقات إبرام “دار البعث” عقودا مع متعهدين من القطاع الخاص للطباعة خارج الدار بشكل يخالف التعاميم الصادرة، ما رتب أثرا ماليا بقيمة سبعة مليارات ليرة سورية، وذلك خلال السنوات الممتدة من 2020 حتى 2024، إضافة إلى قيام المسؤولين في تلك الفترة باقتطاع ضرائب ورسوم والاحتفاظ بها ضمن الدار دون تحويلها للدوائر المالية، والتي بلغت قيمتها مليارا و250 مليون ليرة سورية، إضافة إلى توريد مادة غراء غير صالحة للاستخدام بمبلغ 240 مليون ليرة سورية، وشراء آلات مستعملة للطباعة دون وجود جدوى لها، وذلك بقيمة مالية بلغت 200 ألف دولار أميركي.

وفي الـ17 من كانون الأول المنصرم، كشف الجهاز المركزي عن وجود فساد إداري في المؤسسة العامة السورية للتأمين، جراء قرارات مضللة لهيئة الإشراف على التأمين، أسفرت عن انزياح مبالغ مالية كبيرة من حصة المؤسسة العامة السورية للتأمين من هذه البدلات إلى حساب شركات التأمين الخاصة، بشكل غير صحيح، حيث قدرت تلك المبالغ بـ9 مليارات ليرة سورية على مدار أربع سنوات، من عام 2021 حتى عام 2024.

وفي الـ30 من كانون الأول الماضي، كشف الجهاز المركزي للرقابة المالية لوكالة “سانا” عن قضية فساد خطيرة تتعلق بالتلاعب بفواتير شراء مواد وتجهيزات طبية في مشفى جامعة حمص، وبقيمة تقدر بملايين الليرات السورية، وذلك في إطار الجهود المستمرة لحماية المال العام ومكافحة مظاهر الفساد في الجهات العامة.

وفي الـ3 من كانون الأول 2025، كشف تقرير الجهاز المركزي عن وجود فساد في المؤسسة العامة للبريد، حيث أظهرت التحقيقات وجود فروقات مالية تتراوح بين 800 مليون ومليار ليرة سورية في حسابات أحد الفروع، نتيجة حذف أسماء المستفيدين من الرواتب والمعاشات وإعادة تفعيلها لاختلاس الأموال.

وقبل ذلك، كشف الجهاز المركزي عن فساد مالي في الشركة السورية للاتصالات بقيمة 7 مليارات ليرة سورية في فرعي الشركة بريف دمشق ودير الزور، تمثل بصرف مبالغ مالية كبيرة كتعويض عن ارتفاع الأسعار لمتعهدي العقود المبرمة مع الشركة وفروعها في المحافظات. وجرى التحقيق في أربعة عقود، ليتبين أن المبالغ التي صرفت لمتعهدي هذه العقود دون وجه حق كتعويض عن ارتفاع الأسعار بلغت أربعة مليارات ليرة سورية، تتحمل مسؤوليتها لجان فروق الأسعار الفرعية في المحافظات، نتيجة مخالفتها القوانين والأنظمة الناظمة لأسس منح هذا التعويض.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

برعاية محافظ طرطوس.. افتتاح مشروع “صُنع في طرطوس” لتمكين المرأة الريفية وتعزيز الصناعات الغذائية المحلية

  برعاية السيد محافظ طرطوس، وبحضور السيد عبد الفتاح الخطيب ممثلاً عن السيد المحافظ، افتتحت جمعية إنسانيون بلا حدود ظهر أمس في قرية البارقية بريف ...