لا يقتصر الحديث حاليًا داخل الأوساط الإسرائيليّة على إقامة “منطقة عازلة” أوْ سياسة “الأرض المحروقة” في جنوب لبنان، بل يتطور تدريجيا في خطاب اليمين المتطرّف ليشمل طروحات تدعو إلى الاستيطان وإقامة مستوطنات يهودية على الأراضي اللبنانية الحدودية.
وتتبلور هذه الأفكار ضمن تطورات رئيسية على الساحة: حركة (عوري تسافون) (استيقظ يا شمال) وهي حركة استيطانية تدفع نحو التوسع الإستراتيجي شمالاً، حيث التقت قياداتها، مثل حجاي بن آرتسي، شقيق سارة نتنياهو، مع أعضاء من حزب الليكود ووزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان للترويج بأنّ الاستيطان داخل جنوب لبنان هو الحل الأمني طويل الأمد، واقترح البعض إطلاق اسم (أرز لبنان) على أول مستوطنةٍ مقترحةٍ.
يُشار في هذه العجالة إلى أنّ التحقيق الذي نشرته وكالة (فرانس برس) وأعيد تداوله في وسائل إعلام عدة، كشف عن تنامي نشاط مجموعات استيطانية إسرائيلية تدعو إلى التوسع شمالاً، مستفيدة من الحرب الحالية ومن حالة الفراغ والدمار التي أصابت الجنوب اللبناني. وتحدث التقرير عن مجموعات تضم عشرات العائلات الإسرائيلية التي بدأت تناقش علنًا فكرة الانتقال للعيش في جنوب لبنان، معتبرة أن الحرب الحالية “فرصة تاريخية” لإعادة رسم الحدود الشمالية لإسرائيل.
“الحزام الأمني” ثمّ حلم الاستيطان
اللافت أن الخطاب الاستيطاني الجديد لا ينطلق فقط من أسس دينية أو إيديولوجية، بل أيضًا من مقاربة أمنية تتبناها تدريجيًا بعض الأوساط السياسية والعسكرية في إسرائيل. فبعد سنوات من اعتبار القرار 1701 ضمانًا كافيًا لإبعاد خطر المواجهة عن شمال إسرائيل، بات جزء من المؤسسة الإسرائيلية يرى أنّ ما حصل منذ اندلاع الحرب أثبت، وفق رؤيته، فشل هذا النموذج.
من هنا بدأ الحديث الإسرائيلي يتوسع من مجرد إبعاد (حزب الله) عن الحدود، إلى إنشاء واقع جغرافي وأمني جديد داخل الأراضي اللبنانية نفسها. وقد كشفت تقارير إسرائيلية وإقليمية عن خطط تتحدث عن توسيع الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الجنوب بعمق أبعد من الليطاني، مع فرض شريط أمني واسع يمتد كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.
لكن الأخطر ربّما لا يكمن في التصريحات، بل في الوقائع التي يجري تنفيذها على الأرض في عمليات تدمير واسعة للقرى والبنى التحتية والجسور والمدارس والمستشفيات، ضمن إطار ما تصفه إسرائيل بعمليات “تطهير” أو “تنظيف” للمنطقة الحدودية.
الوحيدان القادران على إيقاف إسرائيل في لبنان هما ترامب وإيران
من ناحيته، قال المحلل الإسرائيليّ، روغل ألفر، في مقالٍ نشره في صحيفة (هآرتس) العبريّة، إنّه “تمّ احتلال قلعة البوفور، قبل الانتخابات الإسرائيليّة بأشهرٍ قليلةٍ، وذلك بهدف التوضيح أنّ جنوب لبنان لم يعد أرضًا قاحلة، وأنّه لم يعد منطقةً أمنيّةً، بل أصبح أرضًا محتلة لإسرائيل”.
وتابع قائلاً: “على عكس أيام المنطقة الأمنيّة، التي أنشأتها إسرائيل بعد حرب لبنان الأولى عام 1982، فقد تمّ تهجير سكان جنوب لبنان اللبنانيين بالفعل، ووفقًا لرؤية الحكومة الإسرائيليّة الحالية، سيتم استبدالهم بجنودٍ إسرائيليين، وأيضًا بمواطنين إسرائيليين مثلهم، سيستوطنون المنطقة بأكملها حتى نهر الليطاني”، على حدّ تعبيره.
ولفت المُحلِّل الإسرائيليّ إلى أنّه “لدى نظام نتنياهو أحلام كبيرة في جنوب لبنان، وهو مستعد، في سبيل تحقيقها، للتضحية بالجليل، الذي يُفرغ من سكانه، وتحت مظلّة هذه الرؤية الإمبرياليّة، التي تشمل أيضًا إخلاء قطاع غزة والضفّة الغربيّة المُحتلّة من الفلسطينيين، تمضي إسرائيل قدمًا نحو احتلال لبنان، ولا توجد حركة احتجاج شعبية قادرة على إيقافها هذه المرة، لا منظمة (أربع أمهات) ولا حتى أم واحدة”.
وتابع قائلاً: “الوحيدان القادران على إيقاف إسرائيل في لبنان هذه الأيام هما الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب وإيران، ربّما ينقذاننا من ذلك ويجبران إسرائيل على الانسحاب”.
وأوضح: “المواطنون الإسرائيليون يسيرون في غفلةٍ، تخيّلوا الولايات المتحدة تغزو فيتنام، في محاولة لإحياء أسوأ كابوسٍ مؤلمٍ في الذاكرة الجماعيّة لمواطنيها، وفي خطوةٍ رمزيّةٍ تعيد تمثيل هجوم التيت”، أيْ هجوم الثوار في فيتنام ضدّ القوات الأمريكيّة الغازية.
وخلُص المحلل الإسرائيليّ إلى القول: “هذا بالضبط ما تفعله إسرائيل الآن في لبنان، تعيد تمثيل استعراض تاريخي من الحماقة، ومواطنوها صامتون. بل إنّ المعارضة بأكملها تصمت. أين البدائل لنفتالي بينيت واللواء (المتقاعد) غادي آيزنكوت، اللذين يدّعيان خلافة نتنياهو؟ صمتهما يدل على تأييدٍ ضمنيٍّ. تأييدٌ هو فعلٌ تلقائيٌّ، أشبه بفعل الانتماء القبليّ”، طبقًا لأقواله.
والسؤال الأهم هو ما الذي يسعى نتنياهو لتحقيقه؟ ففي مؤتمر لبنان الأول الذي عُقِدَ مؤخرًا في تل أبيب، وصف صهره حجاي بن أرتسي الأمر ببساطةٍ قائلاً: “نحن راضون بالقليل. لا نطالب بمترٍ واحدٍ بعد نهر الفرات. هذا ما وُعِدْنا به”، على حدّ تعبيره.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
