المهندس نضال رشيد بكور
يوم الجمعة هو خير يوم طلعت فيه الشمس، وهو المحطة الأسبوعية الغالية التي يتزوّد فيها المؤمن بالإيمان واليقين.
ولعلّ أعظم ما يملأ قلب العبد في هذا اليوم المبارك هو تعظيم الله جلّ جلاله؛ فالتعظيم هو روح العبادة، ولُبّ التقويم الإيماني في قلب كل مسلم.
وتعظيم الله هو إجلاله بالقلب واللسان والجوارح، واعتقاد كمال ذاته وصفاته وأفعاله، والاعتراف بتفرّده بالخلق والتدبير والعبادة. فإذا امتلأ القلب بهذا الإجلال، صغرت في عينه الدنيا، وهانت عليه المصائب، واندفع طوعاً إلى طاعة ربّه.
وقد حفل القرآن الكريم بآيات عظيمة تدعو العباد إلى معرفة ربهم وقدره حقّ قدره، ومن ذلك بيان عجز البشر عن إدراك العظمة الإلهية، في قوله تعالى:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
كما يتجلّى هذا المعنى في أعظم آية في كتاب الله، وهي آية الكرسي، التي تصف كمال عظمته وسعة علمه وتدبيره المحكم، قال تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾.
ويحثّنا سبحانه على استشعار عظمته والتأمّل في خلقه، بقوله تعالى:
﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
والوقار هنا بمعنى التعظيم والإجلال.
وكان النبي ﷺ أشدّ الناس تعظيماً لله وإجلالاً له، وقد ظهر ذلك جليّاً في عبادته وأقواله؛ فقد أرشدنا إلى تعظيم الله في الركوع، فقال ﷺ: «أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ عَزَّ وَجَلَّ». وكان يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ».
وبياناً لعظمة المخلوقات التي تدلّ على عظمة خالقها، قال ﷺ: «ما السَّماواتُ السَّبعُ في الكُرسيِّ إلَّا كحَلْقةٍ مُلقاةٍ بأرضِ فلاةٍ، وفَضْلُ العرشِ على الكُرسيِّ كفَضْلِ تلك الفلاةِ على تلك الحَلْقةِ».
كما أثبت الله لنفسه صفتَي الكبرياء والعظمة في الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربّه، قال تعالى في الحديث: «الكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِيهِمَا قَصَمْتُهُ وَلَا أُبَالِي».
وعندما يتمكّن تعظيم الله من قلب العبد، فإنه يُثمر سلوكيات تحميه في دينه ودنياه؛ فيورثه الاستسلام والانقياد لشرع الله، والخوف منه والحياء منه في السرّ والعلن، كما يدفعه إلى تعظيم شعائر الله، امتثالاً لقوله تعالى:
﴿ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾.
وننعم بفضل ذلك بطمأنينة القلب، وكمال التوكّل على الله القوي العزيز.
وإنّ يوم الجمعة فرصة سانحة لنبذ الغفلة وتجديد معاني التعظيم في القلوب، وذلك بالتبكير إلى الصلاة، والإنصات للخطبة، وتدبّر آيات سورة الكهف، والإكثار من الصلاة والسلام على النبي ﷺ.
فاللهم املأ قلوبنا بتعظيمك، واجعلنا ممّن يقدّرونك حقّ قدرك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين في هذا اليوم المبارك، وتقبّل منّا صالح الأعمال والطاعات.
تقبّل الله طاعاتكم، وجعل يوم الجمعة نوراً وطمأنينةً وبركةً في قلوبكم.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

